صدى الواقع: محمد مصطفى الزاكي
في مقهى قاهري عتيق، حيث تمتزج رائحة البن القوية بذكريات وطن بعيد، أنا وصاحبي صحافيان سودانيان، فرّقتنا الحرب وجمعهما المنفى.. كانت عيوننا معلقة بشاشات الهواتف، نافذتنا الوحيدة الى جحيم الفاشر وخراب الخرطوم. صمت مهيب يخيم على المكان، استوقفتنا مشهدين لصحافيتين، كلتاهما تتحدث عن السودان، لكن إحداهما كانت تدافع عن الحقيقة، والأخرى تلمّع صورة القتلة.
ظهرت الصحفية المصرية صباح موسى على شاشة “بي بي سي”… كانت تتحدث بلهجة الخبيرة التي تعرف أدق تفاصيل المشهد، تفند بثقة أكاذيب ميليشيات الدعم السريع… أوضحت بمهنية نادرة أن الجيش السوداني ليس أداة في يد أي تنظيم، بل هو مؤسسة وطنية تضم كل أطياف المجتمع، فيها البعثيين وحركات الكفاح المسلحة وأبناء الأحزاب التاريخية. في المقابل، وصفت ميليشيات آل دقلو بأنها كيان أحادي التكوين، وُلد من رحم أجندة ضيقة. همست في أذن زميلي الصحافي السوداني : “انظر كيف تدافع هذه المصرية عن بلدنا بمهنية وشرف، بينما بعض أبنائنا يبيعون ضمائرهم بلا خجل!”.
رد على جملتي بعرض على شاشة هاتفه، صورة لقناة “سكاي نيوز عربية”، حيث كانت الصحفية السودانية تسابيح مبارك تتجول في شوارع مدينة الفاشر المحتلة. كانت أول إعلامية تدخل المدينة بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها، في زيارة أثارت عاصفة من الجدل. ابتساماتها وسط الدمار، وترحيب عناصر الميليشيا بها، بدت وكأنها احتفال على أنقاض مدينة شهدت إبادة جماعية واغتصاباً للنساء. وقال بمرارة: “هذه ابنة بلادي، تستخدم منبرها لتبييض وجوه من اغتصبوا الأرض والعرض. يا له من زمن أغبر!”.
إن التباين بين صباح موسى وتسابيح مبارك ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو صدام بين الصحافة كرسالة، والصحافة كأداة للدعاية. ففي الوقت الذي كانت فيه صباح موسى تحلل بعمق على المنابر الدولية مثل “بي بي سي”، وتوضح أن أي حل لا يبدأ بخروج الميليشيا من بيوت المدنيين هو مجرد عبث، كانت تسابيح مبارك تقدم من الفاشر صورة مغايرة تماماً.
تغطية تسابيح، التي وصفتها قناتها بـ”الجرأة”، اعتبرها قطاع واسع من السودانيين جزءاً من حملة علاقات عامة مدفوعة الأجر لتلميع صورة قوات الدعم السريع. فقد ركزت تقاريرها على “عودة الحياة إلى طبيعتها” وتوثيق المعاناة الإنسانية بشكل معزول، متجاهلة عمداً الإشارة إلى المسؤول المباشر عن هذه المأساة: القوات التي سهّلت دخولها للمدينة، والتي تتهمها تقارير دولية بارتكاب جرائم تطهير عرقي. هذا التجاهل المتعمد للحقيقة الكاملة هو ما حوّل تغطيتها من عمل صحفي إلى دعاية فجة، وهو ما دفع البعض لوصفها بـ”أنجلينا جولي الميليشيا” و”العميلة”.
في المقابل، نجد أن صباح موسى، التي يعتبرها الكثيرون “سودانية الهوى”، قد كرّست منبرها لفضح الأجندات الخفية. استندت في تحليلاتها إلى معلومات ميدانية دقيقة، وكشفت زيف الادعاءات التي تربط الجيش السوداني بتنظيمات معينة، مؤكدة على طابعه القومي الجامع. لقد قدمت نموذجاً للصحفي الذي يحترم عقل المشاهد، ويقدم له الحقيقة مجردة من أي أجندة سياسية، مسلحاً بالمعرفة والضمير الحي. إنها لم تكن مجرد محللة، بل كانت صوتاً لمن لا صوت لهم، ومدافعة شرسة عن دولة تتعرض لمؤامرة وجودية.
إن المقارنة الصارخة بين مهنية وشرف صباح موسى، وبين الأداء المثير للجدل لتسابيح مبارك، يجب أن تكون جرس إنذار للصحافة السودانية. ففي زمن الحرب، حيث تختلط الحقائق بالأكاذيب، وتصبح الكلمة أخطر من الرصاصة، لا مكان للحياد بين الضحية والجلاد. إن الانحياز للحقيقة وللإنسان ليس خياراً، بل هو جوهر العمل الصحفي.
على الصحافيين السودانيين اليوم أن ينظروا إلى نموذج صباح موسى، ويتعلموا منها كيف يكون الولاء للوطن وللحقيقة، وكيف تتحول الصحافة إلى سلاح لكشف الزيف والدفاع عن الأبرياء. عليهم أن يرفضوا أن يكونوا مجرد ببغاوات تردد شعارات سياسية فارغة، أو أدوات رخيصة في أيدي أصحاب الأجندات. فالصحافة إما أن تكون ضمير الأمة وسيف الحقيقة، أو لا تكون.

