ضل الحراز: علي منصور حسب الله
في كل مرة يُقدَّم فيها صحفي سوداني إلى المحاكمة بموجب قانون جرائم المعلوماتية يتجدد سؤال جوهري هل نحن أمام تطبيقٍ سليم للقانون أم خلطٍ بين طبيعة الجريمة وطبيعة المهنة؟ هذا السؤال لم يعد نظريًا بل أصبح محور حراك مهني واسع قاد إلى تنظيم وقفات احتجاجية متكررة آخرها وقفات يوم الخميس الماضي التي نظمت بالتزامنت في عدد من الولايات أمام مقرات النيابة ورفع فيها الصحفيون مطلبًا واضحًا وهو وجوب محاكمة الصحفي بقانون الصحافة لا بقانون المعلوماتية فأصل المشكلة في اختلاف بين وواضح في الغاية بين القانونين فعند صدور قانون جرائم المعلوماتية عام 2007 كان الهدف محددًا وواضحًا هو حماية الفضاء الرقمي من الجرائم التقنية مثل الاختراق الإلكتروني وإتلاف البيانات وتعديلها والتجسس واعتراض الاتصالات وتعطيل الأنظمة والشبكات
أي أنه قانون صُمّم لحماية الأنظمة والبيانات وليس لتنظيم المحتوى الصحفي وفي المقابل جاء قانون الصحافة كقانون خاص ينظم أخلاقيات المهنة
وضوابط النشر ومسؤولية الصحفي وآليات المحاسبة المهنية عند جالات التجاوز وهنا يكمن الخلل الجوهري فإخضاع العمل الصحفي لقانون المعلوماتية يُعد خلطًا بين مجالين مختلفين من حيث الطبيعة والوظيفة ثم جاءت التعديلات اللاحقة من حماية الأنظمة إلى محاكمة المحتوى بذلك لم يبقَ قانون المعلوماتية في حدوده التقنية إذ جاءت تعديلات 2017 لتوسّع نطاقه بشكل ملحوظ عبر إضافة مواد جديدة تتمثل في تجريم نشر محتوى مخالف للنظام العام أو الآداب وإدخال عقوبات تشمل السجن والغرامة فهذا التحول نقل القانون من مجال حماية الأنظمة إلى مجال تنظيم المحتوى لكن على غير الصحفيين امام تنظيم المحتوي لدي الصحفيين هو مجال أصلاً من اختصاص قانون الصحافة اما تعديلات 2025 شددت العقوبة وسعت نطاق التجريم
لتُعمّق هذا المسار فقد تم تم تشديد العقوبات لتصل إلى السجن لسنوات طويلة قد تبلغ عشر سنوات وتوسيع تعريف الجرائم الإلكترونية ليشمل نطاقًا أوسع من الأفعال المرتبطة بالنشر غير أن الإشكال الأكبر لم يكن فقط في قسوة العقوبات بل في استخدام عبارات فضفاضة تحتمل أكثر من تفسير ومعنى بإدخال المحتوى الصحفي ضمن نطاق التجريم المعلوماتي وبذلك تحوّل القانون عمليًا من أداة لحماية الفضاء الرقمي إلى أداة يمكن أن تُستخدم في ملاحقة المحتوى والرأي حتى لو كان في حدود العمل الصحفي وهو ما أثار قلقًا واسعًا داخل الوسط الصحفي وإذا سألنا لماذا يرفض الصحفيون هذا المسار؟ عبر وقفات احتجاجية فالصحفيين هنا يستندون إلى جملة من الأسباب الموضوعية منها مبدأ القانون الخاص يقيد العام فقانون الصحافة هو القانون المختص بتنظيم العمل الصحفي وبالتالي يجب تقديمه على القوانين العامة عند النظر في قضايا النشر وهو مبدأ معروف لدى أجهزة النيابة بالضرورة كما أن اختلاف طبيعة الفعل لأن الجريمة المعلوماتية فعل تقني (اختراق وتخريب وتجسس واحتيال وفتنة وإساءة) بينما الفعل الصحفي ممارسة مهنية قائمة على النشر والتعبير وخلطهما يؤدي إلى تكييف قانوني غير دقيق كذلك يخلق خطر في الرقابة الذاتية فتشديد العقوبات يدفع الصحفيين إلى تجنب القضايا الحساسة والحد من النقد وتقليص دور الصحافة الرقابي أما غموض النصوص والعبارات العامة مثل النظام العام تفتح الباب أمام تفسيرات واسعة قد تُستخدم لتقييد النشر وعدم التناسب في العقوبة في حين أن قضايا النشر تُعالج عادة عبر التصحيح والاعتذار والتعويض المدني لكن إدخالها ضمن قانون جنائي مشدد يخلّ بمبدأ التناسب لذلك نري أن الوقفات الاحتجاجية التي نظمها الصحفيون ليست مجرد رد فعل بل تعبير عن قلق مهني عميق من توسع دائرة التجريم وتراجع الضمانات القانونية واستخدام قوانين غير مختصة لمحاكمة العمل الصحفي وهي في جوهرها دعوة لإعادة الأمور إلى نصابها القانوني الصحيح والحل لا يكمن في إلغاء قانون المعلوماتية بل في حصر تطبيقه في الجرائم التقنية والعمل به في مواجهة غير الصحفيين وإحالة قضايا النشر إلى قانون الصحافة كذلك الدعوة إلى مراجعة النصوص الفضفاضة وتحقيق التوازن بين حماية الأمن المعلوماتي وضمان حرية التعبير فالقضية ليست صراعًا بين الصحفيين والقانون بل هي مسألة تكييف قانوني سليم فالصحافة باعتبارها مهنة منظمة بقانون خاص لا ينبغي أن تُعامل كجريمة تقنية لمجرد أنها تُمارس عبر الوسائط الرقمية ولهذا يرفع الصحفيون صوتهم اليوم ليس طلبًا لامتياز قانوني او البحث عن حصانة قانونية تضع الصحفي في موقع فوق القانون بل دفاعًا عن مبدأ قانوني راسخ وهو أن يُحاكم كل فعل في إطاره الصحيح وبالقانون الذي شُرع له فهل تستجيب النيابة العامة وزارة العدل لذلك

