ضل الحراز: علي منصور حسب الله
نواصل حديثنا حول الحركات المسلحة واليوم نتناول واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل والتناقض والمتعلقة بمواقف حاكم إقليم دارفور الفل مرشال مني أركو مناوي ففي ظل الحرب التي مزقت السودان ودفعت بمدينة الفاشر إلى واجهة المأساة الوطنية والإنسانية لقد ظلت هذه المدينة قبل سقوطها في أيدي مليشيا الدعم السريع تدفع الثمن الأكبر من حصار خانق وقصف متواصل وقتل ممنهج وتجويع طال المدنيين الأبرياء الذين وجدوا أنفسهم بين نيران الحرب وصمت العالم آلاف الأسر نزحت ومئات الضحايا سقطوا فيما تحولت المدينة إلى واحدة من أكثر بقاع السودان وجعاً ومأساة وسط إنهيار شبه كامل للخدمات الإنسانية والصحية وعجز المجتمع الدولي عن إتخاذ موقف حاسم يوقف نزيف الدم وقبل أيام إستقبل مناوي وفداً من أعضاء البرلمان الفرنسي إستمعوا خلاله إلى شهادات الناجين والفارين من جحيم الفاشر ووقفوا على حجم الإنتهاكات التي تعرض لها المدنيون العزل يومها تحدث مناوي بلغة واضحة وحاسمة مؤكداً أنه نقل الحقائق إلى المجتمع الدولي بإعتبار ذلك خطوة ضرورية نحو إنصاف الضحايا وكشف الجرائم المرتكبة بحق سكان المدينة كما شدد حينها على أن النازحين والناجين يحتاجون إلى موقف إنساني وأخلاقي حقيقي يضع حداً لمعاناتهم ويسهم في حماية المدنيين وتقديم الدعم الإنساني العاجل لهم بل وتعهد بملاحقة المتورطين في الجرائم والإنتهاكات وقد وجد ذلك الحديث صدىً واسعاً وسط أسر الضحايا والناجين لأنه حمل وعداً أخلاقياً وسياسياً بالعدالة ورسالةً مفادها أن دماء الأبرياء لن تضيع هدراً وأن من تلطخت أيديهم بقتل المدنيين سيواجهون المساءلة مهما طال الزمن لكن الصدمة جاءت لاحقاً وجاءت هذه المرة من مناوي نفسه عندما صدرت عنه تصريحات بدت متناقضة بصورة صادمة مع تلك المواقف السابقة بعد إعلانه الإستعداد لإستقبال المدعو (أبو لولو) الذي إرتبط إسمه بمقاطع مصورة أثارت غضباً واسعاً وتباهى فيها بتصفية مواطنين عزل أمام الكاميرات في مشاهد هزت الضمير الإنساني وأثارت موجة غضب عارمة وسط السودانيين وهنا يبرز السؤال الأخلاقي والسياسي الكبير كيف يمكن الجمع بين الحديث عن ملاحقة الجناة وبين فتح الباب أمام شخص ينظر إليه لدى كثير من الضحايا باعتباره رمزاً من رموز الإنتهاكات؟ وكيف يمكن إقناع أسر القتلى والناجين بأن العدالة ستأخذ مجراها بينما يتم تقديم إشارات سياسية تفهم وكأنها تساهل مع من ارتبطت أسماؤهم بالعنف والقتل؟ إن القضية هنا ليست قضية شخص واحد بل قضية مبدأ وعدالة وذاكرة شعب مثقلة بالمجازر والإنتهاكات فالحروب لا تقاس فقط بالمعارك العسكرية بل أيضاً بمدى احترام حقوق الضحايا وعدم الإستهانة بآلامهم أو تقديم رسائل قد تفهم وكأنها تبرير للعنف أو محاولة لإعادة تدوير الجناة تحت لافتات سياسية جديدة ومن الخطأ إختزال ما جرى في السودان على أنه مجرد (تنفيذ لتعليمات عسكرية) كما برر مناوي فهذه الحرب لم تكن معزولة عن التدخلات الخارجية والدعم المالي والعسكري والإقليمي الذي ساهم في تأجيج الصراع وإطالة أمده وما القيادات الميدانية المحلية من أمثال محمد حمدان دقلو (حميدتي) وإخوته مهما بلغت قوتهم إلا جزء من شبكة أكبر تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية وإذا كان (أبو لولو) مجرد منفذ لتعليمات القتل والسحل والإبادة بحسب التبريرات الفطيرة المطروحة فإن عبد الرحيم دقلو نفسه ينفذ تعليمات قائده حميدتي والذي بدوره يتحرك ضمن شبكة دعم إقليمية أوسع تقودها الإمارات في ظل إتهامات سياسية وإعلامية متواصلة بشأن دورها في الحرب السودانية وبذلك فإن منطق (تنفيذ التعليمات) يفتح الباب لتبرير أفعال جميع قادة مليشيا الدعم السريع وكل من تورطوا في الإنتهاكات وجرائم القتل والترويع وهو منطق خطير يقوض أساس العدالة ويمنح المجرمين غطاءً سياسياً وأخلاقياً للهروب من المساءلة إن العدالة لا يمكن أن تكون إنتقائية ولا يجوز أن تخضع لحسابات التحالفات المؤقتة أو الضرورات السياسية فالضحايا لا تعنيهم الصفقات ولا تداوي جراحهم البيانات السياسية المتناقضة ما يريده أهل الفاشر وكل المدن المنكوبة هو موقف واضح لا لبس فيه إدانة الجرائم ومحاسبة مرتكبيها وعدم منح أي شرعية أخلاقية أو سياسية لمن تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء فماذا يقول مناوي للطفل الذي قام أبو لولو بقتل أبيه وهو يوثق الجريمة البشعة؟ وماذا يقول لأهل المرحوم قندول الذي قتل أمام الكاميرات؟ وماذا يقول لمئات بل آلاف الأسر التي فقدت أبناءها ومنازلها وأمنها وكرامتها؟ إن أهل الفاشر وغيرها من المدن التي إكتوت بنار الحرب لا ينتظرون خطابات متناقضة بل ينتظرون موقفاً ثابتاً ينحاز إلى المدنيين وكرامتهم ينتظرون عدالة حقيقية لا تفرق بين مجرم وآخر ولا تخضع لموازين القوة أو تبدلات التحالفات لقد عانى السودان طويلاً من ظاهرة الحركات المسلحة التي بدأت بشعارات التهميش والعدالة ثم تحولت لدى بعض قادتها إلى أدوات للضغط السياسي وابتزاز الدولة بالسلاح حتى أصبح بعضهم يتحدث وكأن دارفور ملكية خاصة أو تفويض حصري تمنحه البندقية لا الإرادة الشعبية والحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح هي أن دارفور ليست ملكاً لأحد ولا يمكن لأي حركة أو قائد أن يحتكر الحديث باسم أهلها أو يختزل قضيتهم في مصالحه السياسية ولا يملك مناوي أو جبريل ابراهيم تفويض العفو عن المجرمين وليس حق العفو تمتلكه حركة بل أسر الضحايا والشهداء فدارفور أكبر من الحركات وأكبر من الزعامات المؤقتة وأكبر من صفقات السياسة إنها أرض عانت طويلاً من الحروب والإنقسامات ويستحق أهلها السلام والعدالة والتنمية لا إعادة إنتاج المآسي تحت شعارات جديدة والدم السوداني ليس مادة للمساومة وذاكرة الضحايا ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه وكل تصريح يشعر الناجين بأن معاناتهم يجري التقليل منها أو أن الجناة يمكن أن يتحولوا فجأة إلى شركاء محتملين يضاعف الإحساس بالخذلان ويعمق جراح الحرب التي لم تندمل بعد لقد دفعت الفاشر وعدة مدن سودانية ثمناً باهظاً ومن حق أهلها أن يسمعوا خطاباً واضحاً لا لبس فيه لا حماية لمرتكبي الجرائم ولا تساهل مع من تورطوا في قتل الأبرياء ولا سلام حقيقي يمكن أن يبنى فوق دماء الضحايا دون عدالة وإنصاف ومحاسبة
نواصل…

