صدى الواقع: محمد مصطفى الزاكي
في دروب السياسة السودانية الوعرة، تتكشف الحقائق الصارخة حينما تتبدل الأدوار، وحينما يتحول التابع إلى طامح للسيطرة، والمدافع عن السلطة إلى ساعٍ لابتلاع الدولة برمتها.. هذا هو المشهد الذي يتجلى اليوم بوضوح صارخ في خطاب مليشيات القبائل العربية بدارفور، بقيادة محمد حمدان دقلو حميدتي، الذي انقلب من رفض التمرد على المركز إلى محاولة فرض الهيمنة على السودان كله بقوة السلاح، في مفارقة لا تخلو من مرارة وسخرية القدر.
لقد شهدت دارفور، منذ فجر الألفية الجديدة، فصولاً دامية من أزمة سياسية واجتماعية طاحنة، حينما انتفضت الحركات المسلحة مطالبةً بحقوقٍ طال انتظارها في التنمية والعدالة وتقاسم السلطة والثروة..
كانت تلك المطالب، رغم ما حملته من أوجاع الحرب، صرخةً مدويةً ضد تهميش تاريخي، شاركت فيها قبائل ومكونات اجتماعية عديدة، رأت في الدولة المركزية بالخرطوم محتكرةً للسلطة والثروة لعقود طويلة..
لكن اللافت للنظر، والمثير للتأمل آنذاك، كان اصطفاف غالبية المليشيات العربية إلى جانب السلطة المركزية، في مواجهة تلك الحركات..
لم يكن خطاب تلك المجموعات ينبع من منبع العدالة أو السعي لمعالجة جذور الأزمة، بل كان درعاً واقياً للدولة المركزية، بوصفها الضامن لمصالحها ونفوذها المحلي.
هكذا، جرى تصوير الحركات المسلحة كخطرٍ داهمٍ على وحدة البلاد، ومشروعٍ للفوضى والتمرد والانفصال، في محاولةٍ لإضفاء الشرعية على موقفها..
غير أن المفارقة الكبرى، التي تدمي القلب وتثير العجب، تكمن في أن الخطاب ذاته قد انقلب اليوم على نفسه، بصورة تكاد تبلغ حد التناقض الكامل..
فالقوى التي كانت ترى في الخروج على الدولة جريمة سياسية وأخلاقية لا تغتفر، أصبحت اليوم تمارس الفعل ذاته، ولكن بصورة أكثر عنفاً واتساعاً..
والقيادات التي كانت ترفض حمل السلاح ضد المركز، باتت تسعى إلى السيطرة على المركز نفسه، لا من أجل مشروع وطني جامع يلم الشمل، بل من أجل مشروع سلطوي قائم على القوة العسكرية والولاءات القبلية والدعم الخارجي، في مشهدٍ يذكرنا بمقولة:
من كان بيته من زجاج فلا يرمي الناس بالحجارة.
إن أخطر ما في هذا التحول ليس مجرد تناقض سياسي عابر، بل هو انقلاب في طبيعة الخطاب المصاحب له..
فمن ادعاء حماية الدولة وصونها، انتقل الخطاب إلى لغة التخوين والإقصاء، وفرض الولاء بالقوة الغاشمة؛ وأصبح كل من يجرؤ على رفض الانصياع لمشروع المليشيا، يوصف بأوصاف مهينة كـ “فلنقاي”، في محاولة بائسة لإسكات أي صوت معارض داخل الإقليم نفسه.
هنا تتجلى الأزمة الحقيقية في أبهى صورها: فالمشكلة لم تعد مجرد خلاف سياسي حول السلطة، بل هي عقلية متجذرة تعتبر المجتمع مجرد تابعٍ ينبغي أن يصفق أو يُتهم بالخيانة العظمى..
والأشد خطورة، أن هذا المشروع لم يكتفِ بحدود الصراع العسكري التقليدي، بل تجاوزها إلى محاولة فرض واقع سياسي جديد داخل أراضي دارفور، عبر إعلان حكومات ومناطق نفوذ، وكأن الإقليم قد تحول إلى ملكية خاصة تُدار بمنطق الجباية والقوة، لا بمنطق الدولة الحديثة والمؤسسات والقانون..
مشهدٌ يعيد إلى الأذهان صور الجيوش الغازية التي كانت تفرض الطاعة بالسيف، لا عبر الشرعية الشعبية أو التوافق الوطني، في استنساخٍ بائسٍ لعهودٍ ولت..
لقد كانت الحركات المسلحة الدارفورية، رغم ما شابها من أخطاء كثيرة، تتحدث بلغة “المظلومية الجماعية” لأهل الإقليم، لغةً تفهمها القلوب وتستشعرها النفوس..
بينما يبدو خطاب المليشيات اليوم أقرب إلى “الامتياز الخاص”، القائم على احتكار القوة والثروة، في تباينٍ صارخٍ بين الغايات والوسائل..
ولذلك، فإن الفارق بين المشروعين ليس فقط في الأدوات المستخدمة، بل أيضاً في طبيعة الهدف المنشود؛ فهناك فرق شاسع بين من يطالب بإصلاح الدولة، ومن يسعى إلى احتلالها وتدجينها.
ما يزيد المشهد تعقيداً وإيلاماً، أن بعض القيادات التي طالما وصفت نفسها بأنها حامية للعروبة في دارفور، أصبحت تمارس سياسات أضرت بالعرب أنفسهم قبل غيرهم..
إذ دفعت بآلاف الشباب إلى أتون حرب مدمرة، وأدخلت القبائل العربية في مواجهة مفتوحة مع بقية مكونات الإقليم، بما يهدد النسيج الاجتماعي الرقيق والتاريخ المشترك الذي عاشته دارفور لقرون طويلة، في جريمةٍ لا تغتفر بحق الوحدة الوطنية.
إن أزمة خطاب المليشيات العربية اليوم ليست مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هي أزمة أخلاقية وفكرية عميقة..
لأنها كشفت كيف يمكن أن تتحول الشعارات البراقة إلى أدوات مؤقتة، تتبدل بتبدل المصالح الضيقة؛ فمن كان يرفض التمرد بالأمس القريب، صار يمارسه اليوم بكل وقاحة. ومن كان يتحدث باسم الدولة وهيبتها، صار يهدد وجودها وكيانها..
ومن كان يهاجم خطاب الجهوية والقبلية المقيت، بات يعتمد عليه بوصفه الوقود الأساسي لمعركته العبثية.
يبقى السؤال الأكثر إيلاماً، والذي يتردد صداه في أرجاء السودان: كم سيدفع أهل دارفور والسودان عموماً ثمن هذه التناقضات الصارخة، قبل أن يدرك الجميع أن بناء الأوطان لا يتم عبر المليشيات المسلحة، ولا عبر خطابات التخوين والكراهية البغيضة، بل عبر مشروع وطني عادل وشامل، يعترف بالتنوع، ويؤسس لدولة القانون والمواطنة الحقة، لا لدولة السلاح والغلبة التي لا تبقي ولا تذر؟.

