ضل الحراز: علي منصور حسب الله
صبر قادة المقاومة الشعبية بولاية شمال دارفور كثيراً وطال إنتظارهم حتى بلغ الصبر مداه وحين ضاق الصبر بأهله خرج الناطق الرسمي بإسم المقاومة الشعبية بشمال دارفور نور الدين عيسى لقمة الشهير بـ(علي شمو) في مقطع فيديو مؤثر ليضع أمام الرأي العام واحدة من أكثر الصور إيلاماً في هذه الحرب صورة الجرحى الذين قاتلوا دفاعاً عن مدينة الفاشر ثم تركوا يواجهون مصيرهم وحدهم بين الألم والإهمال والنسيان تحدث الرجل بمرارة لا تخطئها الأذن وقال إن كثيراً من هؤلاء المقاتلين لم يكونوا طلاب سلطة ولا أصحاب أجندة سياسية بل رجالاً تركوا حياتهم المستقرة وأموالهم وأعمالهم والبعض تركوا شركاتهم وتقدموا الصفوف الأمامية حين كانت الفاشر تواجه أخطر مراحل الحصار والإستهداف إستشهد منهم من كتب الله له الشهادة وبعضهم لا يزال يواصل القتال من أجل وطن إسمه السودان بينما ينزف بصمت وفي الوقت ذاته هناك آخرون يقاسون مرارة الجراح والإهمال في مناطق (أدري والطينة) ومعسكرات (دوقبا وهريبا) داخل الأراضي التشادية وكشف (علي شمو) عن وجود أكثر من أربعمائة جريح يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية يئنون تحت وطأة الألم ونقص العلاج والرعاية في وقت يتبادل فيه السياسيون وقادة الحركات المسلحة خطابات البطولة ونخب الإنتصارات أمام وسائل الإعلام والمفارقة المؤلمة أن الحركات المسلحة التي لا تكف أبواقها الإعلامية عن الحديث عن بطولات (القوات المشتركة) سارعت إلى علاج بعض جرحاها في الهند ومصر خاصة ممن تربطهم صلات قربى أو إنتماءات خاصة بالقيادات النافذة أو من أصحاب الرتب العسكرية الكبيرة بينما ترك بقية المقاتلين الذين حملوا السلاح دفاعاً عن الفاشر والوطن لمصير بالغ القسوة وهنا يبرز السؤال الأخلاقي الكبير هل أصبحت دماء السودانيين درجات؟وهل صار الجريح يقيم بحسب إنتمائه السياسي أو قربه من مراكز النفوذ؟ أو صلة الرحم إن الذين قاتلوا ضمن صفوف المقاومة الشعبية لم يخرجوا طلباً لمكاسب إتفاق جوبا ولم يبحثوا عن المناصب أو الإمتيازات أو السيارات الحكومية الفارهة أو أرصدة السلطة لم يطمعوا في شركة تعدين بإمتيازات كبيرة هؤلاء ذهبوا بدافع شعور وطني خالص إعتقدوا أن الدفاع عن الفاشر دفاع عن السودان كله وأن حماية أهلهم وديارهم واجب مقدس لا ينتظر مقابلاً ولهذا دفعوا الثمن من دمائهم وأجسادهم ومستقبل أبنائهم والحقيقة التي ينبغي ألا تطمس وسط الضجيج الإعلامي أن معركة الفاشر لم تخضها الحركات المسلحة وحدها بل شارك فيها أبناء المقاومة الشعبية والمستنفرون وأبناء القبائل المختلفة ومواطنون عاديون كلهم جنباً إلى جنب مع القوات النظامية من جيش وشرطة وأمن وكتائب إسناد جميعهم حملوا السلاح حين شعروا أن مدينتهم تواجه خطر السقوط والإنهيار ولذلك فإن محاولة إحتكار البطولة أو إختزال التضحيات في فصائل بعينها ليست مجرد تزوير للواقع بل إهانة لدماء الذين قاتلوا وإستشهدوا بعيداً عن الأضواء إن من يتحدثون اليوم باسم (القوات المشتركة) عليهم أن يتذكروا أولئك الجرحى المنسيين في أطراف تشاد وأن يتذكروا أن البطولة الحقيقية لا تقاس بعدد المؤتمرات الصحفية ولا بحجم الحضور الإعلامي وإنما بمدى الوفاء لمن دفعوا الثمن الحقيقي للحرب فالدول تبنى بالعدالة والإنصاف لا بالإنتقائية والمحسوبية كما أن إستمرار هذا التمييز بين الجرحى والمقاتلين يهدد بنسف ما تبقى من الثقة بين القواعد الشعبية والقيادات السياسية والعسكرية فحين يشعر المقاتل البسيط أن دمه أرخص من دم غيره وأن تضحياته لا تجد حتى الحد الأدنى من الرعاية فإن ذلك يخلق إحساساً عميقاً بالخذلان والغدر وهو شعور أخطر على تماسك المجتمعات من الرصاص نفسه إن الواجب الوطني والإنساني والأخلاقي يفرض على الدولة السودانية وعلى مجلس السيادة وعلى حكومة إقليم دارفور وعلى قادة الحركات المسلحة التحرك العاجل لإنقاذ هؤلاء الجرحى وتوفير العلاج والرعاية الكريمة لهم ورد الإعتبار لتضحياتهم قبل أن يتحول الإهمال إلى وصمة عار تطارد الجميع فالذين قدموا أجسادهم قرباناً للوطن لا يجوز أن يتركوا وحيدين في العراء يتقاسمون الألم والفقر والنسيان بينما يتنعم آخرون بثمار الحرب ومغانم السلطة ويستفيد البعض بأساليب مبتكرة سنتناولها في قادم الأيام وهناك من ظل يقدم الطعام في التكاية امثال محي الدين شوقار ومالك شمو وغيرهم الذين اداروا مطابخ جماعية ومبادرات تكافل أُسسوها إستجابة للحصار الخانق والمعارك واليوم يجأر مالك شمو منتقداً تجاهل جهودهم
نواصل…

