ضل الحراز: علي منصور حسب الله
أعلن النقيب في الحركات المسلحة أيمن إسحاق عبد الحميد هجين الشهير ب(البنفسج) في وسائل التواصل الإجتماعي استقالته من حركة التحالف السوداني (الحركة الشعبية قطاع دارفور) في خطوة أثارت كثيراً من التساؤلات داخل الأوساط السياسية والعسكرية والإجتماعية المرتبطة بملف دارفور والحركات المسلحة ولم تكن أهمية الإستقالة في مضمونها الإداري أو التنظيمي فحسب وإنما في الرسائل الضمنية التي حملتها وفي التوقيت الذي جاءت فيه وفي اللغة التي كتبت بها فالرجل لم يهاجم رفاقه السابقين بصورة مباشرة ولم يكشف أسرار التنظيم أو القوة المشتركة بل حرص على التأكيد أن تلك الأسرار ستظل (أمانة في عنقه) وأنه سيظل متمسكاً بما وصفه بالقضية الدارفورية وحقوق أهل الإقليم مع إعلانه الإبتعاد عن العمل السياسي والعسكري وهذه الصيغة في حد ذاتها تكشف أن الأزمة أعمق من مجرد خلاف شخصي أو نزاع عابر على موقع تنظيمي بل تعكس حالة إحتقان داخلي وتآكل تدريجي في الثقة داخل بعض الحركات المسلحة وفي الأيام الأخيرة تصاعدت موجة التساؤلات حول الإستقالات المتكررة التي تقدم بها عدد من القيادات والعناصر القادمة من الفاشر ومناطق أخرى خاصة ممن عرفوا بالمشاركة الفعلية في المعارك أو تحمل الأعباء الميدانية والتنظيمية والذين تناولوا الأمباز كوجبة دون أن يأثر في تماسكهم لذلك تصاعدت حالة من الدهشة والإستغراب سادت بين المتابعين لأن هؤلاء لم يكونوا مجرد أسماء هامشية بل شخصيات إرتبطت في أذهان كثيرين بمعاني الصمود والتضحية ولذلك يصبح السؤال مشروعاً لماذا ينسحب هؤلاء الآن؟ وما الذي يجري خلف الكواليس؟ الحقيقة أن ظاهرة الإستقالات داخل الحركات المسلحة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التاريخ الطويل للإنقسامات والإنشقاقات التي لازمت معظم التنظيمات المسلحة في السودان منذ نشأتها الأولى فمنذ سنوات التمرد الأولى وما تلى مؤتمر حسكنيتة فقد ظلت الحركات المسلحة تعاني أزمات بنيوية تتعلق بطبيعة القيادة وتوزيع النفوذ وإدارة الموارد والعلاقة بين المشروع السياسي والطموحات الشخصية والقبلية ولهذا لم يكن غريباً أن تتحول كثير من هذه الحركات مع مرور الزمن إلى كيانات متشظية تكثر فيها الإنقسامات أكثر من الاتفاقات لقد بدأت بعض الحركات المسلحة بشعارات كبيرة تتحدث عن العدالة والمساواة ورفع التهميش وإنصاف الهامش السوداني لكنها مع مرور الوقت دخلت في دوامة الصراعات الداخلية وتحولت في أحيان كثيرة إلى منصات للتنافس على السلطة والمناصب والنفوذ ومع كل إنقسام جديد كانت تتآكل الثقة داخل القواعد ويزداد الإحباط لدى المقاتلين والكوادر الميدانية الذين وجدوا أنفسهم يدفعون ثمن صراعات القيادات ولذلك فإن الإستقالات الأخيرة قد تكون امتداداً طبيعياً لهذه الأزمة المزمنة خاصة إذا شعر بعض القادة الميدانيين بأنهم مجرد أدوات تستخدم في المعارك ثم يتم تهميشهم عند لحظة إتخاذ القرار أو إقتسام المكاسب السياسية فحين يغيب المشروع الواضح وتضعف المؤسسية وتصبح الولاءات الشخصية والقبلية والعشائرية أقوى من الإنتماء التنظيمي فإن الإنشقاقات تصبح نتيجة متوقعة وليست إستثناءاً كما أن طول أمد الحرب الحالية وما رافقها من تحولات وتحالفات معقدة خلق حالة من الإرتباك داخل كثير من الحركات المسلحة فبعض المقاتلين الذين دخلوا الحرب تحت شعارات معينة بدأوا يطرحون أسئلة صعبة حول طبيعة المعركة وأهدافها الحقيقية والجهات المستفيدة منها وحول ما إذا كانت التضحيات التي تقدم تجد مقابلها مشروعاً سياسياً حقيقياً أم مجرد إعادة إنتاج للأزمة السودانية بصورة جديدة ومن الواضح أيضاً أن هناك فجوة تتسع بين القيادات السياسية والعناصر الميدانية فالمقاتل الذي يعيش ظروف الحرب اليومية ويتحمل الخسائر المباشرة يريد أن يفهم إلى أين تتجه الأمور بينما تزداد حالة الغموض في المشهد السياسي والعسكري وعندما يشعر أصحاب التضحيات بأن أصواتهم لم تعد مسموعة أو أن وجودهم أصبح بلا تأثير حقيقي تبدأ لحظة الإنسحاب النفسي قبل الإنسحاب التنظيمي المؤسف أن كثيراً من التنظيمات لا تنتبه إلى حجم الخلل إلا بعد مغادرة أصحاب الخبرة والتجربة وعندما ينسحب من ينظر إليهم باعتبارهم (الأبطال) فإن السؤال الأخطر يصبح من سيبقى؟ ومن سيتحمل المسؤولية بعدهم؟ لأن التنظيمات لا تنهار فقط بسبب الهزائم العسكرية وإنما أيضاً بسبب فقدان الثقة الداخلية وتآكل الروح المعنوية ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تكشف أزمة أعمق تتعلق بمفهوم التمثيل نفسه فمن الذي منح هذه الحركات حق إحتكار الحديث بإسم دارفور أو باسم (الهامش ؟) وهل أصبحت القضية الدارفورية أكبر من الحركات المسلحة نفسها أم أن بعض القيادات لا تزال تتعامل معها باعتبارها ملكية سياسية خاصة؟ إن دارفور ليست ملكاً لأحد ولا يمكن إختزال أهلها وتاريخها وتعقيداتها في مجموعة تنظيمات مهما كان حجم تضحياتها أو حضورها الإعلامي والعسكري لقد دفعت دارفور ثمناً باهظاً للحرب والانقسامات والاستقطابات وما يحتاجه الإقليم اليوم ليس المزيد من التشظي بل مراجعة شجاعة وصريحة لكل التجارب السابقة بما فيها تجربة الحركات المسلحة نفسها فالقضية العادلة يمكن أن تضيع عندما تدار بعقلية الغنائم أو بمنطق الإحتكار والإقصاء إن معالجة أزمة الإستقالات والإنشقاقات لا تكون عبر البيانات الإنشائية أو محاولات التقليل من أهمية ما يجري بل عبر الشفافية والمصارحة وإعادة بناء الثقة داخل هذه الكيانات والإعتراف بأن كثيراً من المشكلات التي تعانيها ليست مؤامرات خارجية فقط بل أزمات داخلية تراكمت عبر سنوات طويلة دون معالجة حقيقية وفي النهاية تبقى هذه الإستقالات رسالة واضحة بأن هناك شيئاً يحتاج إلى إصلاح عاجل فالأبطال لا يغادرون بسهولة وعندما يقررون الرحيل فإن وراء القرار قصة أكبر بكثير مما يظهر على السطح وربما يكون السؤال الأهم الآن ليس لماذا إستقال هؤلاء؟ بل إلى أين تتجه الحركات المسلحة نفسها بعد كل هذه الإنقسامات؟ وهل ما زالت تملك مشروعاً جامعاً قادراً على إقناع من حملوا السلاح يوماً بأن الطريق الذي ساروا فيه لا يزال يستحق الإستمرار؟
نواصل…

