نبض الحروف: عادلة عادل
في زمنٍ اختلطت فيه الحقائق بالشائعات، وأصبح الشريف متهماً حتى يثبت وجعه، يبرز اسم باش مهندس أيوب إبراهيم عربي، مدير منظمة تباشير للعون والتنمية، كواحد من الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بالخير والإنسانية وخدمة الناس في أحلك الظروف التي مرت على ولاية شمال دارفور ومدينة الفاشر على وجه الخصوص.
أيوب عربي ليس اسماً عابراً في ذاكرة أهل الفاشر، وليس شخصية مجهولة حتى تُنسج حولها الاتهامات دون بينة أو دليل. يعرفه النازح قبل المسؤول، وتعرفه الأرملة قبل الإعلامي، ويعرفه الطفل الذي وجد لقمة أو دواء أو مأوى في زمنٍ عزّ فيه العون واشتدت فيه الأزمات.
من منا لا يعرف “أيوب تباشير”؟ ذلك الرجل الذي ظل حاضراً في الميدان وقت الأزمات، متنقلاً بين المعسكرات والأحياء والقرى، يحمل همّ الناس قبل همّه، ويبحث عن حلول للمتضررين والنازحين والمحتاجين، بينما كان كثيرون يكتفون بالمشاهدة أو إصدار البيانات من خلف المكاتب المكيفة.
واليوم، يُفاجأ الجميع بخبر حبسه، لا بسبب جريمة واضحة أُثبتت عليه، ولا بعد محاكمة عادلة تكشف الحقيقة للرأي العام، وإنما في ظروفٍ يكتنفها الغموض والصمت، وكأن العدالة أصبحت تُدار بالظنون لا بالقانون.
أي قانون هذا الذي يسمح بحبس إنسان دون تقديمه لمحاكمة؟ وأي عدالة تلك التي تُقيّد حرية رجل عرفه الناس بالأعمال الإنسانية والخيرية دون أن يُمنح حق الدفاع عن نفسه أمام القضاء؟
إن أبسط مبادئ العدالة التي تعلمتها البشرية، قبل أن تُكتب في الدساتير والقوانين، تقول إن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”، لكن ما يحدث مع أيوب عربي يطرح تساؤلات موجعة ومخيفة في آنٍ واحد: هل أصبح العمل الإنساني تهمة؟ وهل صار الوقوف مع المتضررين والنازحين مدعاةً للشك والاتهام؟
إن استمرار احتجاز أيوب عربي دون محاكمة عادلة لا يسيء إليه وحده، بل يبعث برسالة قاسية لكل العاملين في المجال الإنساني، مفادها أن التضحية وخدمة المجتمع قد تقود صاحبها إلى السجن بدلاً من التكريم.
لقد شهدت الفاشر وكل شمال دارفور سنوات عصيبة من الحرب والنزوح والجوع والخوف، وخلال تلك السنوات كانت منظمة تباشير للعون والتنمية من الجهات القليلة التي بقيت قريبة من الناس، تمد يد العون وتخفف من معاناتهم بما تستطيع، وكان أيوب عربي في مقدمة الصفوف، لا يبحث عن شهرة ولا منصب، وإنما عن أثر طيب يتركه بين الناس.
ولذلك، فإن الصمت تجاه ما يحدث اليوم ليس حياداً، بل خذلان لقيم العدالة والإنصاف. فالاختلاف السياسي أو الاتهامات غير المثبتة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لسلب الناس حريتهم دون إجراءات قانونية واضحة وشفافة.
إننا لا نطالب بأكثر من العدالة. لا نطالب بالمجاملة ولا بالحصانة لأحد، وإنما نطالب بمحاكمة عادلة وعلنية، يُمنح فيها الرجل حقه الكامل في الدفاع عن نفسه، ويُقدَّم فيها الدليل إن وُجد، لا أن يبقى خلف القضبان رهينة للاتهامات والافتراءات.
فالظلم ظلمات يوم القيامة، والتاريخ لا يرحم. وكم من أبرياء دفعتهم الشائعات إلى السجون، ثم اكتشف الناس الحقيقة بعد أن ترك الظلم ندوبه في أرواحهم وأسرهم ومجتمعاتهم.
إن قضية أيوب عربي اليوم ليست قضية شخص واحد، بل قضية ضمير وعدالة وإنسانية. وكل من عرف هذا الرجل عن قرب يعلم أن سيرته بين الناس كانت قائمة على البذل والعطاء والإصلاح، لا على التخريب أو الأذى.
فإلى متى يستمر هذا الصمت؟ وإلى متى يُحبس رجل الإنسانية دون محاكمة؟
الحرية والعدالة حقٌ لكل إنسان، والعدالة الحقيقية لا تخشى النور، بل تقوم على الشفافية والإنصاف واحترام كرامة البشر.
نسأل الله أن يُظهر الحق، وأن ينصر المظلوم، وأن يفك أسر كل بريء، وأن تبقى الإنسانية فوق كل الاتهامات والافتراءات.

