ضل الحراز: علي منصور حسب الله
تشير التطورات الأخيرة في عدد من مسارح القتال من دارفور إلى النيل الأزرق وحتى تخوم دولة جنوب السودان إلى تصدعات متسارعة داخل بنية مليشيا الدعم السريع لم تعد خافية على المتابعين ولا حتى على حواضنها الاجتماعية فالأحداث المتفرقة التي ترد من الميدان حين توضع في سياق واحد ترسم لوحة متكاملة لانهيار تدريجي يتغذى على التنازع الداخلي والاحتقان المجتمعي وتآكل الشرعية السياسية والأخلاقية وجاء اعتقال القيادات الأهلية… لكسر الجسور مع الحواضن حيث تم اعتقال عمدة المسيرية بمنطقة أم دخن العمدة أبوعكاز وترحيله إلى سجن مدينة الخير بنيالا المعروف شعبياً باسم (سجن دقريس) سيّئ السمعة والذي يصفه البعض بـ(أبو غريب مليشيا الدعم السريع) بتهمة العمل لصالح القوات المسلحة هذا الإجراء ليس مجرد تدبير أمني عابر بل رسالة سالبة إلى الإدارة الأهلية التي ظلت تعمل في استنفار الشباب لصالح المليشيا فقبيلة المسيرية بوصفها إحدى كبريات مكونات غرب السودان تمثل ثقلاً اجتماعياً لا يُستهان به واستهداف رموزها الأهلية يعني عملياً فتح جبهة توتر جديدة مع حاضنة اجتماعية حساسة ولم يكن ذلك معزولاً فقد حدث في زالنجي إعفاء الديمنقاوي تجاني سيسي ووكيله سيسي فضل سيسي وهما من رموز الإدارة الأهلية التاريخية لوسط دارفور وتعيين منسوب المليشيا محمود صوصل أميراً للقبائل العربية رغم أن وسط دارفور تاريخياً من حواكير قبيلة الفور كما تم تعيين صالح علي أميراً ورئيساً لإدارة فرع النوايبة بولاية وسط دارفور رغم أن هذا المستوى من الإدارة يُنشأ للقبائل لا لفروع القبائل وتم كذلك تعيين محمد سليمان رابح بليلة أميراً لقبيلة الزيادية في مليط رغم أن مليط حاكورة لقبيلة البرتي وملكها الملك ياسر أحمداي وفي سياق التدخل في البُنى الأهلية تدخلت المليشيا في أمر قبيلة المحاميد حيث تم تعيين علي أحمد عبود ناظراً لقبيلة المحاميد بدلاً عن الشيخ موسى هلال الذي تم عزله بقرار من المليشيا بالاعتماد على فخذ صغير من المحاميد وهم أولاد جلال التابعة لفرع الجلول وفي منطقة مهاجرية بولاية شرق دارفور أفادت المعلومات بأن قوة تابعة لمليشيا الدعم السريع اعتقلت زعيم الإدارة الأهلية في المنطقة العمدة عمر أديبو أما في خزان جديد فقد قُتل عبدالله أبوالقاسم قائد المليشيا قطاع شعيرية وياسين إثر اشتباكات بمنطقة خزان جديد بين عناصر من المليشيا نفسها وعبدالله أبوالقاسم (دولي) هو شقيق ناظر البرقد محمد أبوالقاسم كما قُتل الشرتاي محمد جعفر كرم الدين في ذات الصراع ومحلية خزان جديد تتبع إدارياً لولاية شرق دارفور وأسفرت الاشتباكات عن مقتل الشرتاي محمد جعفر كرم الدين شرتاي منطقة خزان جديد واثنين من أبنائه كما قُتل عبدالله أبوالقاسم الشهير بـ(دولي) القائد الثاني لمجموعة إيتو واثنان من مرافقيه إلى جانب سقوط قتلى آخرين الإدارة الأهلية بطبيعتها تقوم على التوازن والوساطة واحتواء النزاعات وحماية المجتمع من الانزلاق الكامل نحو العنف واستهدافها أو إعادة تشكيلها قسرياً يشي بأن المليشيا باتت تشك حتى في أقرب الدوائر إليها وهو مؤشر كلاسيكي على اهتزاز الثقة داخل المنظومة. وعندما تُستبدل الشرعيات التاريخية بشرعيات القوة فإن النتيجة الحتمية هي تعميق الانقسام الاجتماعي وإضعاف البنية المحلية التي كانت تمثل صمام أمان أما انسحاب الرزيقات… كان بمثابة بداية تصدع الحاضنة فالأنباء عن انسحاب عدد من أبناء الرزيقات من منطقة شومدي وتوجههم إلى الرنك على خلفية اتهامهم لحمودة البيشي باقتياد أبنائهم إلى (الهلاك) في معركتي ملكن والسيلك تكشف بوضوح عن أزمة قيادة داخلية وقبيلة الرزيقات تُعد المكون الاجتماعي الأبرز الذي انطلقت منه المليشيا وأي تململ داخلها يحمل دلالات عميقة فعندما تتهم أسرٌ قياداتٍ ميدانية بإهدار دماء أبنائها في معارك خاسرة أو غير محسوبة فإن ذلك يعني أن سردية (المعركة المصيرية) بدأت تفقد بريقها ومع تزايد الخسائر البشرية تتراجع قدرة القيادة على تعبئة المقاتلين ويتحول الولاء من التزام قبلي أو تعبوي إلى سؤال بقاء فردي وأسري هذا النوع من الانسحابات لا يقتصر أثره على البعد العسكري بل يمتد إلى البنية الاجتماعية إذ يفتح الباب أمام مراجعات داخلية صامتة لماذا نقاتل؟ ولأجل من؟ ومن يدفع الثمن الحقيقي؟
فضلاً عن محاولات شق الصف… كدليل ارتباك استراتيجي والحديث عن توظيف الأحداث لإحداث تفرقة بين مليشيات النيل الأزرق ومليشيات الغرب يكشف عن مناخ من الشكوك المتبادلة فعندما تتحول القيادة إلى إدارة الانقسامات بدلاً من إدارة المعركة فهذا دليل على أن الجبهة الداخلية لم تعد متماسكة والتكوين غير المتجانس للمليشيا قبلياً وجهوياً كان في بداياته عامل قوة عددية وانتشار جغرافي لكنه في لحظات التراجع يتحول إلى نقطة ضعف هيكلية ومع تصاعد الخسائر تطفو الأسئلة المؤجلة من يدفع الثمن الأكبر؟ من يُزج به في الخطوط الأمامية؟ ومن يُحتفظ به في مناطق النفوذ والموارد؟ وحين تتغلب حسابات الجهة والقبيلة على منطق المؤسسة فإن التفكك يصبح مسألة وقت وثالثة الاثافي يتمثل في الهروب إلى جنوب السودان… كدليل لتصدع الروح القتالية فهروب عدد كبير من عناصر المليشيا إلى دولة جنوب السودان عبر معبر الرقيبات وإرسال قوة من (لجنة الظواهر السالبة) لإعادتهم يكشف عن تراجع الروح القتالية إلى مستويات حرجة
في التجارب العسكرية عبر التاريخ يبدأ الانهيار الحقيقي حين يفقد المقاتل قناعته بجدوى القتال ويبحث عن مخرج فردي للنجاة وإرسال قوة خاصة لإعادة الفارين يعني أن حالات الهروب لم تعد فردية أو معزولة بل تحولت إلى ظاهرة مقلقة تهدد الانضباط الداخلي فالهروب الجماعي ليس فقط مؤشراً عسكرياً بل علامة نفسية عميقة على فقدان الثقة في القيادة وفي مآلات الصراع ويأتي ما يحدث في مستشفى الرنك الذي استقبل أعداداً كبيرة من مصابي المليشيا القادمين من النيل الأزرق نتيجة استهدافهم بالطيران والمسيرات غير أن ذلك قوبل برفض واسع من سكان الرنك لتلقي الجرحى العلاج داخل المستشفى مما أدى إلى حالة احتقان مجتمعي واضح هذا الرفض يعكس اتساع فجوة العداء بين المليشيا والمجتمع المحلي وحين يصل الاحتقان إلى حد الاعتراض على تقديم الخدمة الطبية فإن الصراع يكون قد تجاوز إطاره العسكري إلى المجال الاجتماعي والإنساني والأسوأ أن استنزاف الأدوية والمعينات الطبية بسبب استقبال الجرحى أدى إلى تفاقم الأزمة الصحية للمواطنين مما عمّق الغضب الشعبي وأضفى بعداً أخلاقياً على الأزمة فما يجري ليس مجرد خسائر ميدانية متفرقة بل سلسلة مؤشرات متراكمة على تآكل الحاضنة الاجتماعية
وتصدع القيادة الداخلية
وتصاعد الانقسامات الجهوية وانهيار الروح القتالية وتوسع دائرة الرفض المجتمعي إن المليشيات بطبيعتها تقوم على منطق الغلبة والرهبة لكنها حين تفقد الرهبة داخلياً وتخسر الغطاء الاجتماعي خارجياً تدخل مرحلة التفكك الذاتي فالقوة المسلحة مهما بلغت لا تستطيع الصمود طويلاً في بيئة رافضة ومع حاضنة تتآكل وقيادة تتنازعها الشكوك وصراعات داخلية تتحول إلى مواجهات دامية فالمشهد الراهن يوحي بأن مليشيا الدعم السريع لم تعد تواجه خصماً عسكرياً فحسب بل تواجه أزمة وجود داخلية تتغذى على أخطائها وتضخمها قراراتها المتعجلة في إعادة تشكيل البُنى الأهلية بالقوة وإدارة الصراع بعقلية الشك والإقصاء ومتى ما تلاقت الضغوط الميدانية مع الانقسامات الاجتماعية فإن مسار التفكك يصبح أقرب من أي وقت مضى ويبقى السؤال هل تستطيع القيادة احتواء هذا النزيف قبل أن يتحول إلى انهيار شامل؟ أم أن الوقائع على الأرض سبقت قدرة المعالجة؟في كل الأحوال فإن المؤشرات المتناثرة لم تعد مجرد روايات ميدانية بل ملامح مرحلة جديدة عنوانها انكشاف البنية وتراجع السيطرة واقتراب لحظة الحسم

