ضل الحراز – علي منصور حسب الله
قبل الخوض في الحديث عن القرارات الأمريكية المتعلقة بالإخوان المسلمين في السودان ودوافع تلك القرارات والجهات التي تقف وراءها يجدر بنا أولاً التوقف عند الجذور التاريخية للحركة الإسلامية المرتبطة بالإخوان المسلمين في السودان وتتبع نشأتها وتطورها التنظيمي والفكري منذ البدايات الأولى وحتى المراحل التي سبقت تلك القرارات إن فهم هذا التاريخ يساعد على إدراك السياق السياسي والفكري الذي تشكلت فيه الحركة وطبيعة علاقاتها الداخلية والخارجية وتأثيرها في الحياة العامة السودانية.
البدايات الأولى للاتصال بالإخوان المسلمين
بدأ اتصال الإخوان المسلمين بأهل السودان عبر الشيخ عبد الله حمد التاجر في مدينتي أم درمان والأبيض فقد أعجب الشيخ التاجر بفكر الإخوان المسلمين وبمجلتهم الأسبوعية أثناء وجوده في القاهرة الأمر الذي دفعه إلى زيارة مكتب الإرشاد العام حيث التقى بالإمام الشهيد حسن البنا في إحدى ليالي شهر أبريل عام 1936م وخلال ذلك اللقاء أبدى الشيخ عبد الله حمد التاجر استعداده لنشر مجلة الإخوان الأسبوعية بين المواطنين السودانيين فرحب مكتب الإرشاد العام بحماسه واستعداده وتم اعتماده مندوباً لجماعة الإخوان المسلمين في أم درمان.
غير أن الدعوة في تلك المرحلة لم تكن ذات انتماء تنظيمي كامل للحركة في مصر بل كانت أشبه بمحاولة لنقل الأفكار العامة للحركة إلى السودان ومع ذلك تشير بعض الروايات إلى وجود شعبتين للإخوان المسلمين في السودان عام 1937م وإن كان وجودهما في الغالب شكلياً أكثر منه تنظيماً فعلياً على أرض الواقع وهاتان الشعبتان هما:
شعبة الزيداب وكان مندوبها الحاج حسن محمد فلاتي وشعبة الخرطوم وكان مندوبها محمود عفيفي أفندي مهندس شركة المياه والنور ورغم ذكر هذه الشعب فإن النشاط الإخواني المنظم في السودان لم يتبلور بصورة حقيقية إلا بعد عدة سنوات فبداية التنظيم الفعلي للحركة (1943) بصورتها المنظمة في السودان بدأ عملياً عام 1943م وفي هذا السياق يذكر الأستاذ الصادق عبد الله عبد الماجد قائلاً تعرفنا على الإمام البنا عام 1943م حيث دعينا في مدينة حلوان لحضور محاضرة للإمام الشهيد حسن البنا وقد تحدث الرجل حديثاً طيباً ملك به قلوب الحاضرين وكنا في تلك السن تحت تأثير ذلك التيار الذي انطلق من ذلك الشيخ ويضيف وقفت بعد المحاضرة أحدثه عن أهلنا المحرومين في السودان من مثل ما سمعنا منه وما رأينا فيه وفي حماس الشباب وقتذاك ناشدت الرجل أن يمتد بقلبه إلى السودان وقد أثرت تلك المناشدة في الإمام حسن البنا فكانت بمثابة الشرارة الأولى لمد جسور الدعوة الإخوانية نحو السودان وفي عام 1944م أوفد الإمام حسن البنا وفداً إلى السودان ضم الطالب السوداني جمال الدين السنهوري الذي كان يدرس حينها في كلية الحقوق وقد قام السنهوري بجولة في عدد من المدن السودانية داعياً إلى أفكار الإخوان المسلمين وشارحاً مبادئ ما اعتبره أول دعوة تجديدية في تاريخ السودان المعاصر وفي الفترة ما بين 1944م و1945م أرسل الإخوان المسلمون أيضاً الأستاذين صلاح عبد الحافظ وصلاح الدين السيد وجمال الدين السنهوري لنشر دعوة الإخوان المسلمين في السودان وقد ألقوا خطباً في نادي الخريجين ودعوا إلى فكرة الإخوان المسلمين ووفقاً لرواية علي طالب الله فإن الفكرة في تلك الفترة المبكرة وجدت حماساً وقبولاً كبيرين وقد أدى ذلك إلى تكوين أول لجنة للإخوان المسلمين في السودان وكانت برئاسة إبراهيم المفتي رئيساً وبدوي مصطفى نائباً للرئيس وعلي طالب الله سكرتيراً ومحمد إسماعيل الأزهري (عم الزعيم إسماعيل الأزهري) عضواً إلى جانب عدد آخر من الأعضاء وذلك وفق ما وثقه البروفيسور حسن مكي وقد عاد الأستاذ صلاح عبد الحافظ إلى مصر في 23 نوفمبر 1945م لكن الدعوة كانت قد بدأت بالفعل في الانتشار داخل بعض الأوساط السودانية وجاء تأسيس الهيئة الفاعلة بعد عامين تقريباً وفي أكتوبر 1946م أرسل الإمام حسن البنا إلى السودان وفداً رفيع المستوى برئاسة عبد الحكيم عابدين السكرتير العام للإخوان المسلمين.
وفي أعقاب هذه الزيارة تشكلت أول هيئة فاعلة للإخوان المسلمين في السودان برئاسة عوض عمر الإمام (إمام مسجد أم درمان الكبير) وعبد الفتاح جلي ومحمد عبد الراضي زقالي وكان زقالي مسؤولاً عن توزيع الجرائد والمنشورات القادمة من مصر.
وقد اعتادت هذه الجماعة الاجتماع كل مساء جمعة تحت غطاء جمعية دينية غير أن اجتماعاتها كانت في الحقيقة تمثل بداية نشاط تنظيمي عملي لنقل دعوة الإخوان إلى السودان ومع ذلك فإن غياب الخبرة التنظيمية في تلك المرحلة أدى إلى ضياع بعض الجهود وعدم تحقيق انتشار واسع كما كان مأمولاً
ثم جاء تأسيس أول أسرة إخوانية في السودان في خلال تلك الفترة جرت مراسلات بين الإمام حسن البنا والأستاذ علي طالب الله وعلى أثر هذه المكاتبات قام علي طالب الله بتكوين أول أسرة للإخوان المسلمين في السودان مستلهماً في برنامجها منهج الإخوان المسلمين في مصر
كما ساعدت عودة الطلاب السودانيين المنتمين إلى الإخوان خلال عطلاتهم من مصر إلى السودان في نشر الفكرة والدعوة لها داخل الأوساط الطلابية والثقافية ويذكر الشيخ ياسر عثمان جاد الله أن قيادة هذه المجموعة أُوكلت إلى الأستاذ علي طالب الله الذي عمل على نشر الدعوة عبر المكونات الدينية والاجتماعية للشعب السوداني خاصة التجمعات الصوفية التي كانت تمثل آنذاك أهم ملامح الخريطة الدينية في السودان وبالفعل بدأ العمل باسم جماعة الإخوان المسلمين في السودان عام 1945م وكان مركزها في مدينة أم درمان وفي أواخر الأربعينيات ظهرت في مدرسة حنتوب الثانوية حركة طلابية أطلق عليها اسم حركة التحرير الإسلامي وكان على رأسها الأستاذ بابكر كرار
وقد ظن بعض الطلاب بعد انتقال الحركة إلى الخرطوم أنها جزء من حركة الإخوان المسلمين إلا أنها لم تكن مرتبطة تنظيمياً بالإخوان رغم تأثرها بأفكارهم وبعد حل جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1948م هاجر عدد كبير من الإخوان المصريين إلى السودان من مختلف التخصصات وقد ساهم وجودهم في تعزيز النشاط الإسلامي وتنظيم العمل الدعوي
لكن هذا التطور أدى أيضاً إلى تميّز تنظيمي داخل الحركة الإسلامية السودانية حيث اختار بعض رموز حركة التحرير الإسلامي بقيادة بابكر كرار وميرغني النصري ثم جاء تأسيس تنظيم مستقل باسم الحزب الاشتراكي الإسلامي حفاظاً على استقلاليتهم عن جماعة الإخوان المسلمين وفي مؤتمر 1954 تم حسم مسألة الاسم في إطار محاولة دمج الحركة الإخوانية الشعبية مع الحركة الإخوانية الطلابية لكن نشأ خلاف حول عدة قضايا أهمها:
اسم الحركة ومدى تبعيتها لجماعة الإخوان المسلمين في مصر
القيادة المناسبة للحركة
طبيعة التحديات السياسية والتنظيمية
وقد تم حسم هذا الخلاف خلال المؤتمر الأول للجماعة عام 1954م والذي انعقد في نادي أم درمان الثقافي وقد قرر المؤتمر
اعتماد اسم الإخوان المسلمين للحركة
اعتبارها امتداداً للحركة الإخوانية في مصر
مع الاستقلال التنظيمي كتنظيم قطري سوداني
غير أن بعض القيادات انسحبت من المؤتمر واستمرت تحت اسم حركة التحرير الإسلامي بقيادة بابكر كرار وميرغني النصري
وأحمد عبد الحميد
والدرديري إبراهيم
وأحمد الطيب حرحوف
وقد تحولت هذه المجموعة لاحقاً إلى الحزب الاشتراكي الإسلامي ثم إلى الجماعة الإسلامية
وفي اجتماع 1951 نشبت الخلافات الداخلية هنا بحسب رواية الدكتور يوسف حسن سعيد أحد مؤسسي الحركة الإسلامية في السودان أنه في أغسطس 1951 عقد اجتماع مهم في منزل الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد ضم
بابكر كرار ومحمد يوسف وأحمد محمد بابكر ومولانا محمد أحمد محمد علي
وميرغني النصري
والشيخ صادق عبد الله عبد الماجد والدكتور يوسف حسن سعيد
وقد استمر الاجتماع سبع ساعات من المغرب إلى ما بعد منتصف الليل لمناقشة مختلف القضايا التنظيمية والفكرية، إلا أنه لم ينتهِ إلى اتفاق حاسم وبعد ذلك انسحب بابكر كرار لفترة تقارب العامين بحجة التفرغ للعمل الأكاديمي وخلال تلك الفترة قام بقية الأعضاء بتنظيم أنفسهم عبر عدة أنشطة منها
إنشاء مكتبتين في عطبرة و مدني
إنشاء نادي ابن الفلاح في عطبرة تأسيس شعب للحركة في بحري وأم درمان كما بدأت محاولات للدخول في نشاط العمال والمرأة حيث قام يوسف حسن سعيد بتجنيد فاطمة طالب بينما قام بابكر كرار بتجنيد سعاد الفاتح البدوي وفي عام 1953م عقد اجتماع آخر قرر فيه بعض الإخوة بقيادة بابكر كرار فصل كل من يوسف حسن سعيد وأحمد محمد بابكر ومولانا محمد أحمد محمد علي
وكان يوسف حسن سعيد آنذاك في السنة النهائية بكلية الزراعة
وقد جاءه لاحقاً في الكلية كل من
ياسين عمر الإمام
عثمان جاد الله
وطلبا منه كتابة مذكرة اعتراض على قرار الفصل وبالفعل تم تنظيم اجتماع كبير في الميدان الغربي بجامعة الخرطوم حضره عبد الله زكريا
وحسن الترابي ومولانا محمد أحمد محمد علي
وأحمد محمد بابكر
بينما لم يحضر بابكر كرار لكن عبد الله زكريا دافع عنه بشدة وفي ذلك الاجتماع أعلن يوسف حسن سعيد انسحابه النهائي من الحركة حول تطور الأسماء التنظيمية للحركة يشير الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد إلى أن الحركة الإسلامية المرتبطة بالإخوان في السودان غيّرت اسمها عدة مرات نتيجة للظروف السياسية والضغوط الأمنية التي تعرضت لها الحركات الإسلامية في العالم وقد مرت بالمراحل التالية
الحزب الاشتراكي الإسلامي (1949 – 1954)
كان هذا التنظيم في الأساس مجهوداً طلابياً بحتاً في جامعة الخرطوم بقيادة بابكر كرار وميرغني النصري
وقد نشأ كرد فعل على موجة الشيوعية والإلحاد التي كانت تنتشر في الجامعة ولم يكن له ارتباط تنظيمي مباشر بجماعة الإخوان المسلمين لكنه تأثر بالكتيبات والمجلات القادمة من مصر.
الإخوان المسلمون (1954 – 1964)
تم اعتماد هذا الاسم بعد المؤتمر الأول للجماعة وانتخاب الأستاذ محمد الخير عبد القادر كأول مراقب عام للحركة في السودان
جبهة الميثاق الإسلامي (1964 – 1969)
تشكلت جبهة الميثاق الإسلامي كتحالف سياسي إسلامي ضم
الإخوان المسلمين
التيار السلفي
الطريقة التجانية الصوفية وقد جاء هذا التحالف بهدف خوض انتخابات 1964 ورغم هذا التحالف ظل اسم الإخوان المسلمين قائماً كتنظيم مستقل داخل الجبهة وكان يقود المكتب التنفيذي آنذاك الشهيد محمد صالح عمر وزير الثروة الحيوانية
انتخاب حسن الترابي
في عام 1969م تم انتخاب الدكتور حسن عبد الله الترابي أميناً عاماً لجماعة الإخوان المسلمين في السودان.
وقد أدى هذا الانتخاب إلى خروج مجموعة من القيادات الرافضة له من بينهم الشهيد محمد صالح عمر والشيخ محمد مدني سبال، والشيخ جعفر الشيخ إدريس والشيخ برات، والشيخ علي جاويش.
وقد شكلت هذه المجموعة لاحقاً نواة جماعة الإخوان المسلمين الحالية بعد انضمام الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد والدكتور الحبر يوسف نور الدائم إليهم عام 1979 أجل انقلاب 25 مايو 1969 بقيادة الرئيس جعفر نميري ـ بمساعدة الشيوعيين والقوميين العرب ـ إعلان الانشقاق الثاني داخل الحركة.
وفي عام 1976 وقعت محاولة انقلابية قادها العميد محمد نور سعد بدعم من ليبيا حيث شارك فيها عناصر من عدة تنظيمات سودانية منها حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي، و الحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة محمد عثمان الميرغني.
الإخوان المسلمون المرتبطون بحسن الترابي وبعد فشل المحاولة الانقلابية استشعر الرئيس نميري خطورة الأحزاب السياسية فعقد ما عُرف باسم المصالحة الوطنية عام 1977 والتي دخلت بموجبها تلك الأحزاب في الحكم وفي ذلك السياق قام حسن الترابي بحل تنظيم الإخوان المسلمين نظراً لأن الرئيس نميري لم يكن يعترف بوجود الأحزاب السياسية.
الجبهة الإسلامية القومية (1986 – 1989) في عام 1986م أسس الدكتور حسن الترابي تنظيم الجبهة الإسلامية القومية وهو حزب سياسي إسلامي حديث ورغم أن كثيراً من الناس لم يكونوا يفرقون عملياً بين الإخوان المسلمين وتنظيم الترابي فإن الإخوان المسلمين بقوا تنظيماً مستقلاً بقيادة الحبر يوسف نور الدائم وكان يُشار إليهم أحياناً باسم إخوان الحبر.
وقد خاض الإخوان المسلمون انتخابات 1986 باسمهم لكنهم لم يفوزوا بأي مقعد في المقابل استطاعت الجبهة الإسلامية القومية تحقيق 51 مقعداً في البرلمان السوداني لتصبح ثالث أكبر قوة سياسية بعد حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي.
غير أن الدكتور حسن الترابي نفسه لم يفز في الانتخابات نتيجة تحالف عدد من الأحزاب لإسقاطه وكان الدكتور حسن عبدالله الترابي ( مرشح الجبهة الاسلامية) في الدائرة 27 الصحافة جبرا في الخرطوم في مواجهة الأستاذ المحامي حسن علي محمد شبو ( مرشح قوى الانتفاضة) في عام 1986 حيث تحالف كل الأحزاب بهدف إسقاط الدكتور حسن الترابي !! فسميت الدائرة بإسم دائرة الإنتفاضة حيث أجمعت فيها جميع الأحزاب على مرشح واحد وهو السيد حسن علي محمد شبو لمنازلة الدكتور الترابي فحصل مرشح التحالف المحامي حسن شبو على نحو 12 ألف صوت مقابل 10 آلاف صوت للترابي وقد تبنت الجبهة الإسلامية برنامجاً يهدف إلى: أسلمة المجتمع السوداني وإقامة حكم الشريعة الإسلامية، ودعم مشاركة المرأة في التصويت والترشح، والتوسع في العمل الاجتماعي والطلابي.
كما أنشأت منظمات عديدة مثل شباب البناء ورائدات النهضة.
وسعت إلى نشر أفكارها عبر العمل الخيري والمؤسسات الإسلامية مستفيدة من نفوذها داخل البنوك الإسلامية الناشئة في السودان.
وقد ساهم ذلك في تعزيز نفوذها الاقتصادي والاجتماعي مما مكنها من التأثير في السياسة والقانون والمجتمع السوداني لكن في عام 1991 شهدت جماعة الإخوان المسلمين في السودان انشقاقاً جديداً حيث تم انتخاب الشيخ سليمان أبو نارو رئيساً للجماعة غير أن عدداً كبيراً من الأعضاء ظلوا موالين للقيادة التقليدية بقيادة الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد والتي حظيت أيضاً بدعم الجماعة العالمية للإخوان المسلمين والمرشد العام وبعد أكثر من عشر سنوات قامت جماعة أبو نارو بحل نفسها وتغيير اسمها إلى جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة.
نواصل

