عكس الهوا: خالد تكس

ثبت بالتجربة العملية والتطبيق أن حركات التمرد التي ادعت الثورية في كل التجارب العالمية وخاصة الافريقية وبالطبع السودانية (نموذج الحركة الشعبية) لم تحقق اي منجزات سياسية او أهداف تنموية لأنها تعاني من حالة توهان ايدلوجي فالتمرد كحالة رفض _او خروج عن الاطر التقليدية و السياقات والانساق الاجتماعية والثقافية او حتي الدينية والعقدية كفكرة تحتاج الي تطوير و ادلجة هذا الرفض وتأطيره وتبريره (لخلق توازنات ذاتية وموضوعية) تستند علي حجج فلسفية مدعومة بافتراضات قابلة للاختبار وبراهين قادرة علي اثباتها علميا كنظرية ثورية تستطيع انتاج وصفات ووضع (منفستوتات) سياسية تتضمن .مشروعات تغيير حقيقية وبما ان ذلك لم يعد ممكنا او مقبولا منذ ما بعد سقوط الايدلوجيا اثر تهاوي النظرية الثورية الام .نتج الفراغ الفكري الذي ادي الي حدوث العجز عن طرح بدائل مقنعة لما رفضوه وثاروا عليه فاصيبوا بالارتباك لان الشعارات البراقة والخلاصات الانطباعية المحشوة بالغو الذي ملاوا به رؤس البسطاء و سابلة الاسافير لم يأتي بالإجابات المطلوبة فنشا الفراغ الكارثي بسبب خطابها التفكيكي الصاخب المرتكز علي النقد الجزافي والهتر السياسي . فتاهت جماهيرها الي درجة أن بعضهم خرج عن الملة هذا علي الصعيد الفكري والفلسفي اما في التطبيق العملي اصطدمت بالفرازات التفاعلات التاريخية واثارها التي جسدتها حقائق تاريخية ونماذج وانماط ثقافية ماثلة فلم تجد سبيل سوي الهروب كما فعلت الحركة الشعبية من مواجهة تلك المعضلات حيث اضطرت الي ترك مجتمعات جنوب السودان تتفاعل وتتواصل علي سجيتها فعاد عربي جوبا لغة مشتركة بين الناس وادركت أن الارتجال الذي يزج بالثقافة في المجال السياسي خطأ فادح وان الأثر الثقافي اكثر عمقا في كل افريقيا خاصة شرقها المتحدث بالسواحلية (هجين العربية واللهجات المحلية ). وان التهميش الثقافي اكذوبة وتحوير فطير لاطروحة ماجر الاقتصادية وان الزج به في المجال السياسي لن يجعله منظور شامل قادر علي التشخيص السليم وتوفير الحلول المطلوبة لذا يمكن القول انها تبنت (منفسوتات) ملفقة وملتقة ؟ و انها من حيث تدري او لاتدري تسعي الي أحداث تغيير اجتماعي وهي تستبطن المنهج الثوري وفي ذات الوقت تعلن قبول المساومة والتفاوض وبغض النظر عن فاعلية المنهج وصحته خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي كيف ستواجه هذا التناقضات وكيف ستعالج حالة الانفصام والانفصال عن الواقع بسبب الفجوة و التحولات الفكرية العميقة التي احدثها تهاوي الشق الثوري من النظرية الماركسية ولم يعد امامها الا ان تكون حركات ثورية بالانتساب الي حالة ماضوية افتراضية وماذا ستفعل بعد أن فقد منهج التغيير الذي وضعه ماركس صلاحيته و أصبح نموذج انجلز الاصلاحي المتدرج القادر علي انتاج و استيعاب صيغ ونماذج ديمقراطية وحكم مدني يحقق قبول وشروط الاعتراف الدولي والاقليمي ؟ فهل تبقت لديها مبررات سياسية وفكرية خاصة اليسارية منها اما اليمنية فانها لم تقدم اي اجتهادات تحصنها من الوصم بالانتهازية الساعية الي كراسي السلطة ومغانمها مباشرة بدون اجتهادات فكرية او ايدلوجية او حتي اخلاقية . لذا يثور سؤال جوهري ما الذي يخولها للحديث باسم الأقاليم و تبني مطالبها وهي لاتمتلك أجوبة فكرية وفلسفية ولا شرعية تفويض انتخابي .ومن أين تستمد طاقتها الثورية التي تتحرك بها في الميدان العسكري والسياسي ؟ وهل ستواصل لعبة الرفض غير المؤسس القائم علي التقديرات الفردية لقادة كانوا في الأساس (بندقجية) لم يعرفوا كمصلحين او علماء او حتي قادة مجتمع اهلي مؤثرين في المستوي المحلي ولم تفوضهم تلك المجتمعات؟ والي متي تدفع هذه المجتمعات اثمان وكلفة ممارساتهم وخطاباتهم السياسية التي بهذا الفقر الفكري والمعرفي تؤجج الاحتقان السياسي والاجتماعي المغذي الرئيسي لخطاب الكراهية الذي يمزقها وينسف استقرارها و حين تحتاجهم لاتجدهم كما فعلت الحركة الشعبية التي لم تقدم اي حلول لمعسكرات النازحين و الاجئين في دول الجوار رغم مضي اكثر من عقد علي تسلمها الحكم .

وبما ان موضة التمرد بلغت اوجها في الحرب الباردة حينما سعي القطبان كل منهما الي دعم نفوذه واجندته وتصفية حسابته بخلق بؤر صراع من خلال دعم حركات التمرد هنا وهناك وان بعضها غرق في مستنقع تصفية الحسابات كادوات لدول الإقليم و

استخدمت لتسعير النزاعات الحدودية او لتقوية الجبهات الداخلية تسخيرا للامتدادات الاثنية والقبيلة مما وضعها في دايرة الاتهام الدائم بالعمالة والأرتزاق فاين دفوعاتها المقنعة ؟

واذا كانت الماركسية عبر الحزب الشيوعي خلقت واجهات مطلبية جهوية ونقابية ومنحتها الاستمرارية بحجج فلسفية جعلت الحالة الثورية مبررة ومتصاعدة حتي يتسلم البرولتاريا الحكم فماذا ستفعل مع الحالة السودانية التي لايوجد بها فرز طبقي بكل الوصفات من لدن ماركس الي قرامشي وان حجة غياب التنمية المتوازنة نفسها سقطت بعد الحرب وبالتالي فإن محاولات تغليفها لاكسابها طابع سياسي وفكري بصيغ رصينة (متعوب عليها) لن تجدي .

Exit mobile version