ضل الحراز: بقلم علي منصور حسب الله

قمنا بنشر المذكرة القانونية التي تقدم بها المستشار يوسف الكلس تعليقاً على ما نشرته صحيفة (دارفور الآن) بشأن معلومات ووثائق تتعلق بحسب ما هو متوافر لدينا من مستندات رسمية ببعض الإجراءات الإدارية والمالية المرتبطة بأداء حكومة ولاية وسط دارفور وتستند المادة الصحفية المنشورة إلى مستندات ووثائق محددة من بينها التفويض الصادر بتاريخ 16 أكتوبر 2025م على الترويسة الرسمية لوزارة المالية والقوى العاملة بولاية وسط دارفور وخاتم الوزارة والممهور بتوقيع السيد محمد إسماعيل تيراب مدير عام الوزارة والذي فوض بموجبه السيد أبو العز أبكر آدم عبد الله مدير مكتب الوالي للتوقيع نيابة عن الوزارة على عقد شراء عربة برادو لصالح الولاية كما تستند المعلومات المنشورة إلى عقد اتفاق موثق بمكتب الأستاذ خالد محمد الريح المحامي وموثق العقود بمدينة بورتسودان ويحمل الرقم (SJ1148283) ضمن توثيقات المحامين وقد أُبرم العقد وفق ما جاء فيه اتفاق بين السيد أبو العز أبكر آدم عبد الله وشركة شاوه للأنشطة المتعددة المحدودة التي مثلها السيد حبيب بابكر أبكر يحي بموجب تفويض صادر بتاريخ 21 أكتوبر 2025م وبين وزارة المالية والاقتصاد بولاية وسط دارفور التي مثلها السيد أبو العز أبكر آدم عبد الله بموجب التفويض بالنمرة (1/1/50) وذلك لشراء عدد (20) عربة بموديلات تتراوح بين 2012 و2023 وبقيمة تجاوزت التريليون جنيه سوداني وانطلاقاً من مبدأ المهنية الصحفية وإتاحة المساحة للرأي الآخر قمنا بنشر مذكرة المستشار يوسف الكلس كاملة احتراماً لحق الرد والتوضيح وهو حق أصيل تكفله الأعراف الصحفية والقوانين المنظمة للعمل الإعلامي غير أن المذكرة ورغم ما تضمنته من دفوع وملاحظات قانونية أثارت لدينا عدداً من التساؤلات الجوهرية التي نرى أن الإجابة عنها ضرورية قبل الدخول في مناقشة تفصيلية لما ورد فيها عبر سلسلة حلقات فالمستشار يوسف الكلس لم يوضح للقارئ الصفة التي كتب بها مذكرته القانونية هل كتبها بصفته الشخصية باعتباره مواطناً مهتماً بالشأن العام؟ أم بصفته وكيلاً أو ممثلاً لحكومة ولاية وسط دارفور؟ أم نيابة عن أحد أطراف العقد المشار إليه؟ أم أنه يؤدي دوراً استشارياً رسمياً يتبع لوزارة العدل أو لأي جهة حكومية أخرى؟ إن تحديد الصفة التي كُتبت بها المذكرة ليس مسألة شكلية أو إجرائية هامشية وإنما أمر جوهري تتوقف عليه طبيعة الرد وحدوده القانونية فالرد على مذكرة صادرة من شخص بصفته الشخصية يختلف عن الرد على مذكرة صادرة من جهة حكومية أو ممثل قانوني لطرف من أطراف التعاقد محل التساؤلات وقد تضمنت المذكرة أربعة مطالب رئيسية تمثلت في مطالبة الكاتب بإبراز الأدلة والمستندات التي تثبت صحة المعلومات والاستنتاجات الواردة بالمقال وهذا لا ياتي لمذكرة كتبها شخص متبرع وتمكين الجهات المعنية من حق الرد والتوضيح للرأي العام.

إحالة أي ادعاءات تتعلق بالفساد أو المال العام إلى الجهات المختصة للتحقيق فيها وفق الإجراءات القانونية السليمة الاحتفاظ بالحق الكامل في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حال ثبوت وجود ضرر ناتج عن النشر أو المساس بالسمعة أو توجيه اتهامات غير ثابتة وهذا يعتبر تلويح باللجوء إلي العدالة وفيما يتعلق بالنقطتين الأولى والثانية فإن المستندات التي استندنا إليها موجودة بالفعل وقد تم نشر جانب منها كما أن حق الرد جرى احترامه عملياً من خلال نشر مذكرة المستشار كاملة دون حذف أو اجتزاء أو تدخل في مضمونها أما فيما يتعلق بالنقطة الثالثة فإن الصحافة ليست جهة تحقيق ولا سلطة قضائية تصدر الأحكام وإنما تقوم بدورها المهني في كشف المعلومات ذات الصلة بالشأن العام وطرح الأسئلة المشروعة حول إدارة المال العام وإتاحة المعلومات للرأي العام بينما يبقى الفصل النهائي للجهات العدلية والرقابية المختصة أما النقطة الرابعة فقد جاءت بصياغة توحي وكأن هناك نزاعاً قانونياً قائماً أو دعوى منظورة أمام جهة قضائية في حين أن الأمر لا يزال في إطار النقاش العام وتبادل الحجج القانونية والإعلامية ونحن نؤكد أننا لا نمانع مطلقاً اللجوء إلى أي إجراءات قانونية بل نرحب بها إذا كانت ستسهم في كشف الحقيقة للرأي العام لأن الوثائق تناقش بالوثائق والدفوع القانونية تقابل بالدفوع القانونية أما التلويح بالإجراءات القانونية فلا يغني عن الإجابة على الأسئلة الجوهرية المطروحة.

ويبدو من خلال المذكرة أن المستشار لم يطلع على جميع تفاصيل الملف أو أن بعض المستندات ذات الصلة لم تكن متوافرة لديه قبل صياغة دفوعه القانونية وهو ما سنناقشه بالتفصيل في الحلقات القادمة.

ولعل من الضروري هنا أن نتوقف عند مسألة جوهرية تتعلق بطبيعة الدور الذي تضطلع به الصحافة في المجتمعات الحديثة فالصحافة ليست خصماً لأحد وليست جهة سياسية تنازع الحكومات سلطاتها وإنما هي مؤسسة رقابية مستقلة تضطلع بمهمة البحث والتقصي وكشف الحقائق وتمكين المواطنين من الوصول إلى المعلومات ذات الصلة بالشأن العام ولهذا توصف الصحافة في الأدبيات السياسية والقانونية بأنها (السلطة الرابعة) لما تؤديه من دور أساسي في مراقبة أداء السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وكشف أوجه القصور والفساد وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة وحماية المال العام.

ويتجلى هذا الدور في عدة أبعاد رئيسية من بينها:

أولاً كشف التجاوزات القانونية والفساد المالي والإداري

من خلال الصحافة الاستقصائية التي تعمل على تتبع الوقائع والمستندات وتسليط الضوء على حالات سوء استغلال السلطة أو الفساد المالي والإداري أو مخالفة القوانين والإجراءات.

ثانياً: تعزيز المساءلة والشفافية

فالصحافة تمثل حلقة الوصل بين المواطن ومؤسسات الدولة وتراقب مدى التزام الجهات الحكومية بالقوانين واللوائح المنظمة لإدارة المال العام بما يعزز مبادئ الحكم الرشيد ويحد من فرص التجاوزات.

ثالثاً: توعية الرأي العام عبر نقل المعلومات والحقائق الموثقة إلى المجتمع وتمكين المواطنين من تكوين آرائهم على أساس المعرفة لا الشائعات بما يساعدهم على تقييم أداء المسؤولين والمشاركة الواعية في الشأن العام.

رابعاً الرقابة الوقائية والتوجيهية

فالصحافة لا تقتصر على رصد الأخطاء بعد وقوعها بل تطرح الحلول وتناقش السياسات العامة وتنبه إلى مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها ومن هذا المنطلق فإن تناول مثل هذه الإجراءات والعقود والمشتريات الحكومية يدخل في صميم الدور الرقابي الذي كفله قانون الصحافة والمطبوعات كما يدخل ضمن حق المجتمع في المعرفة وحق الصحفي في البحث والتحري والنشر وفق الضوابط المهنية والقانونية.

وعلى من يتصدى للردود القانونية المتعلقة بالشأن العام أن يتذكر أن الرقابة الإعلامية ليست استثناءً ولا منحة من أحد وإنما هي إحدى الركائز الأساسية لأي نظام يسعى إلى ترسيخ مبادئ الشفافية والمحاسبة فالصحافة ستواصل ممارسة دورها الرقابي على السلطة التنفيذية بمختلف مستوياتها من مجلس الوزراء إلى الولايات والوزارات والمؤسسات العامة وستواصل النقد والبحث والتدقيق والتحقق من المعلومات كلما تعلق الأمر بالشأن العام أو المال العام لذلك فإننا ننتظر من المستشار يوسف الكلس توضيح صفته القانونية والمهنية التي كتب بموجبها المذكرة لأن ذلك يمثل مدخلاً ضرورياً لأي نقاش جاد ومسؤول حول الموضوع وفي جميع الأحوال فإننا سنرد على المذكرة فقرةً فقرةً ووثيقةً بوثيقة ومستنداً بمستند انطلاقاً من حق الرأي العام في المعرفة ومن واجب الصحافة في الرقابة على الشأن العام خاصة عندما يتعلق الأمر بعقود ومشتريات حكومية وقضايا تمس المال العام بصورة مباشرة.

لقد عانى السودان طويلاً من ثقافة إخفاء المعلومات وتقديس المسؤولين واعتبار مساءلتهم تجاوزاً للخطوط الحمراء بينما تؤكد التجارب الديمقراطية الراسخة أن الشفافية لا تضر الحكومات النظيفة بل تعزز الثقة فيها وترفع من مستوى مصداقيتها أمام المواطنين كما أن الرقابة الشعبية والإعلامية ليست خصومة مع الدولة وإنما هي إحدى أدوات حماية مؤسساتها من الفساد وسوء الإدارة وضمان أن تظل السلطة خاضعة للمساءلة والمراجعة المستمرة لأن المال العام ملك للمواطنين ومن حقهم معرفة كيفية إدارته والتصرف فيه.

وفي الحلقات القادمة سندخل إلى واحد من أكثر الملفات حساسية وإثارة للجدل داخل أروقة حركة العدل والمساواة لنكشف للرأي العام وقائع ووثائق جديدة تتعلق بتحولات بعض الحركات المسلحة من مشاريع سياسية وعسكرية رفعت شعارات العدالة والتغيير إلى شبكات نفوذ ومصالح ومحسوبية وسنترك للمستندات والوثائق أن تتحدث بنفسها وللوقائع أن تقول كلمتها وللقارئ أن يكوّن رأيه استناداً إلى الحقائق لا إلى الانطباعات وإلى الوثائق لا إلى الاتهامات المتبادلة

وللحديث بقية…

Exit mobile version