ضل الحراز: علي منصور حسب الله
منذ أن بدأت كتابة سلسلتي المقالية تحت عنوان (دارفور ليست ملكاً لأحد بين وهم التمثيل وابتزاز الدولة بالسلاح) والتي ستبلغ بإذن الله حلقتها العاشرة وجدت تفاعلاً واسعاً من قطاعات مختلفة من أبناء دارفور والسودانيين عموماً وقد حملت ردود الأفعال كثيراً من المؤشرات المهمة التي تؤكد أن القضية التي نطرحها ليست قضية أشخاص أو حركات بعينها بقدر ما هي قضية عدالة سياسية وإجتماعية تتصل بمستقبل الإقليم ومستقبل السودان كله لقد إقترح عدد من أبناء دارفور تكوين أجسام مطلبية سلمية تعمل على ممارسة الضغط المشروع على الحكومة من أجل إعادة النظر في كيفية توزيع مكاسب إتفاق جوبا بحيث لا تظل تلك المكاسب حكراً على مجموعات محدودة أو نخب بعينها بينما يشارك الآلاف من أبناء دارفور اليوم في حرب الكرامة عبر الإستنفار الشعبي والدفاع عن البلاد دون أن يجدوا تمثيلاً عادلاً أو نصيباً متوازناً من السلطة والثروة والخدمات والتنمية وهذا الطرح في تقديري لا يستهدف حرمان أحد من حقوقه ولا يسعى إلى إشعال صراع جديد داخل الإقليم بل يهدف إلى ترسيخ مبدأ أساسي مفاده أن دارفور أكبر من أي حركة وأوسع من أي تنظيم سياسي أو عسكري وأن تمثيل أهلها لا يمكن اختزاله في مجموعات حملت السلاح في مرحلة من المراحل ثم إعتبرت نفسها وصية أبدية على الإقليم وأهله ومقدراته السياسية نحن ندعم هذا التوجه شريطة أن يخلع السياسيين أثواب القبيلة وإلا يكرروا أخطاء الحركات المسلحة لقد دفعت دارفور ثمناً باهظاً عبر سنوات الحرب الطويلة فقد تشرد الملايين وفقد عشرات الآلاف أرواحهم وتراجعت التنمية وتآكل النسيج الاجتماعي ولذلك فإن من حق كل أبناء الإقليم بمختلف مكوناتهم القبلية والسياسية والإجتماعية أن يكونوا شركاء في تقرير مستقبلهم لا مجرد متفرجين على إعادة إنتاج الإمتيازات بصورة جديدة وفي المقابل ظهرت أصوات إنتقدت ما ذهبتُ إليه بشدة وهذه ظاهرة صحية ومطلوبة في أي مجتمع حيّ لأن إختلاف الآراء وتعدد وجهات النظر هو الذي يثري النقاش العام ويمنع إحتكار الحقيقة فالمجتمعات التي تخلو من النقد والحوار تتحول سريعاً إلى بيئات مغلقة يسودها التصفيق الأعمى والإستقطاب الحاد وقديماً قيل (لولا إختلاف الأذواق لبارت السلع) غير أن المؤسف حقاً أن فئة قليلة إختارت طريق الإساءة الشخصية والتجريح والتخوين بدلاً من مناقشة الأفكار بالحجة والمنطق وبدلاً من الرد على ما طرحناه من وقائع وأسئلة مشروعة لجأ بعض المندفعين الباحثين عن إثبات الولاء لقيادات الحركات إلى إستخدام ألفاظ نابية وأوصاف لا تمت لأخلاق الحوار ولا لثقافة الإختلاف بصلة وكأن مجرد إنتقاد أداء بعض الحركات المسلحة أو مساءلة إمتيازاتها أصبح جريمة تستوجب الإغتيال المعنوي وما دروا بأن كاتب هذه المقالات لديه مناعة ضد الإساءة وكان الأولى بهؤلاء أن يدركوا أن القضايا العامة لا تدار بالعواطف والإنفعالات وإنما بالحوار الرصين والقدرة على تفنيد الحجج بالحجج فالولاء الحقيقي لأي قضية لا يكون عبر الشتائم والإسفاف وتأييد شخص لا يعني تحصينه ضد النقد والدفاع عن الاشخاص مهما كانت مكانتهم لا يكون بالتطبيل وتخوين كل صاحب رأي بل عبر تقديم خطاب عقلاني يحترم الناس وعقولهم ومن الطريف المؤسف أن أحد الأشخاص وهو يحمل رتبة (فريق) في حركة العدل والمساواة حاول التقليل من تأثير المقالات بالقول إنه لم يقرأ لي مقالاً واحداً وهنا يبرز سؤال بسيط ومنطقي هل أصبح هذا الشخص مقياساً لإنتشار المقالات أو عدم إنتشارها؟ وهل عدم إطلاعه الشخصي على المقالات يعني تلقائياً أنها بلا تأثير؟ أم أن الإحتمال الأقرب هو أنه ببساطة لا يقرأ أو لا يتابع أو يفضل تجاهل ما يزعجه؟ ثم لماذا كل هذا الغضب والإنفعال إذا كانت هذه المقالات كما يزعم البعض بلا أثر ولا تأثير؟ فالقاعدة المعروفة تقول إن الأفكار الضعيفة تموت وحدها أما الأفكار التي تثير كل هذا القدر من الهجوم والانزعاج فهي غالباً تلامس مناطق حساسة في بنية الخطاب السائد ومراكز النفوذ القائمة واللافت للنظر أن الحركات المعنية نفسها لم تحرك ساكناً تجاه هذه التجاوزات من قبل منسوبيها ولم يصدر عنها أي موقف أخلاقي أو سياسي واضح يرفض حملات الإساءة والتنمر التي مارسها بعض أنصارها الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى قبول هذه القيادات بمثل هذه الأساليب أو على الأقل تغاضيها عنها طالما أنها تستخدم في الدفاع عنها وإسكات الأصوات الناقدة لها إن الحركات التي تطالب بالديمقراطية والعدالة والحقوق لا بد أن تكون أكثر الأطراف التزاماً بأخلاق الإختلاف وقبول النقد لأن أي مشروع سياسي يفقد قدرته على تقبل الرأي الآخر يتحول مع الوقت إلى نسخة أخرى من الإستبداد الذي يدعي مقاومته ومن هذا المنطلق فإنني سأعمل خلال الفترة المقبلة عبر مسارين متوازيين المسار الأول يتمثل في رد الاعتبار عبر القانون بإعتباره الوسيلة الحضارية التي تكفل حماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية وقد كلفت عدداً من المحامين باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة تجاه كل من تجاوز حدود النقد المشروع إلى الإساءة والتشهير والقذف لأن حرية التعبير لا تعني الفوضى والنقد السياسي لا يمنح أحداً حصانة للاعتداء على الآخرين أخلاقياً أو قانونياً فالدول التي تحترم نفسها تبنى على سيادة القانون لا على شريعة الإساءة والبلطجة ومن حق أي إنسان أن يدافع عن سمعته وكرامته بالوسائل القانونية المشروعة أما المسار الثاني فسيكون عبر توسيع نطاق النقاش العام حول علاقة بعض الحركات المسلحة بمراكز النفوذ الاقتصادي والسياسي بحيث لا يقتصر الحديث على المناصب الحكومية وحدها وإنما يمتد إلى مكاتب الحركات المسلحة التنفيذية والشركات العاملة في مجالات التعدين والبترول والتجارة والمنظمات المختلفة وطبيعة شبكات المصالح التي تشكلت حول بعض القيادات إضافة إلى مواقع أبناء بعض الأسر والدوائر المقربة داخل تلك البنى التنظيمية ومدى تأثير صلات القرابة والانتماء الشخصي على توزيع والرتب والنفوذ والفرص
فالقضية لم تعد مجرد اتفاق سلام أو تقاسم سلطة بل أصبحت قضية تتعلق ببناء دولة العدالة والمؤسسات الدولة التي تقوم على المواطنة والكفاءة وتكافؤ الفرص لا على احتكار الإمتيازات باسم الثورة أو النضال المسلح إن السودان اليوم يمر بمرحلة فارقة من تاريخه ولا يمكن بناء مستقبل مستقر إذا إستمرت عقلية الإمتيازات المغلقة وإحتكار التمثيل السياسي والثوري فدارفور ليست ملكاً لأحد كما أن السودان ليس غنيمة تتقاسمها النخب المسلحة أو المجموعات الأعلى صوتاً في المشهد السياسي إن السلام الحقيقي لا يتحقق بمجرد توقيع الإتفاقات وتقاسم المناصب وإنما يتحقق حين يشعر المواطن البسيط في القرى والفرقان والمدن بأنه شريك في الوطن وأن حقوقه لا تعتمد على حمل السلاح أو الانتماء إلى دائرة النفوذ وسأواصل هذا الطريق بالكلمة والقانون لا بدافع الخصومة الشخصية وإنما انطلاقاً من قناعة راسخة بأن النقد المسؤول وكشف الإختلالات جزء من الواجب الوطني وأن الأوطان لا تبنى بالصمت بل بالمصارحة والشجاعة وإحترام عقول الناس وحقوقهم
سنحاول بالأدلة والوقائع والمعلومات التي يصعب نفيها أن نفتح ملفات ظلت طويلاً بعيدة عن النقاش العلني تحت عنوان (حين تحولت الحركات المسلحة إلى عائلات المال والسلطة والمحسوبية) وهي سلسلة جديدة من عشرة حلقات أيضاً

