ضل الحراز: علي منصور حسب الله
لا يزال البعض يتحدث عن مشروع الحركات المسلحة وكأن هذه التنظيمات ما زالت تحمل ذات الأهداف الكبرى التي رفعتها في سنوات التأسيس الأولى حين بشرت الناس بشعارات العدالة والمساواة ورفع التهميش وإنصاف الهامش السوداني لكن الحقيقة التي بات من الصعب تجاهلها أن كثيراً من هذه الحركات لم تعد اليوم صاحبة مشروع وطني واضح المعالم حتى وإن إستمرت في رفع الشعارات البراقة وتكرار الخطاب القديم لإستهلاك العواطف وحشد الأنصار لقد تحولت بعض هذه الحركات مع مرور الوقت من أدوات كان يفترض أن تسهم في معالجة الأزمة السودانية إلى جزء أصيل من الأزمة نفسها ولم تعد المشكلة مقتصرة على ضعف المشروع السياسي أو غياب الرؤية الفكرية بل تجاوزت ذلك إلى حالة من (الانشطار الأميبي) المستمر حيث تتكاثر الفصائل والقيادات بصورة عبثية حتى صار الإنقسام ذاته وسيلة للبقاء السياسي وأداة لإبتزاز الدولة وطريقاً لحجز المقاعد في موائد التفاوض وتقاسم السلطة والثروة إن أحد أخطر أسباب تعقيد المشهد الدارفوري يتمثل في هذا الانشطار الأميبي الذي أصاب الحركات المسلحة إذ لم تعد الانقسامات ناتجة عن خلافات فكرية حقيقية أو رؤى سياسية متباينة حول مستقبل السودان بقدر ما أصبحت إنعكاساً مباشراً لصراعات النفوذ والمصالح الشخصية والتنافس حول المواقع والامتيازات ولهذا يصبح من المشروع أن نسأل بوضوح وصراحة هل كل الذين غادروا هذه الحركات وشكلوا أجساماً جديدة كانوا على خطأ مطلق؟ وهل يعقل أن تكون القيادات التاريخية لهذه التنظيمات دائماً على صواب بينما الآخرون وحدهم هم المخطئون والخونة والعملاء؟ إن كثرة الإنقسامات التي ضربت جسم الحركات المسلحة عبر السنوات ليست دليلاً على الحيوية السياسية كما يحاول البعض تصويرها بل هي في كثير من الأحيان مؤشر عميق على وجود إختلالات بنيوية وأخطاء متراكمة في الإدارة والقيادة وآليات إتخاذ القرار ولذلك فإن المدافعين عن هذه القيادات بدلاً من الإكتفاء بالتبرير والهجوم على المنشقين عليهم أن يتحلوا بالشجاعة الكافية لمناقشة الأسباب الحقيقية التي تدفع كوادر وقيادات بارزة إلى مغادرة تنظيماتهم حتى يمكن إيجاد ترياق يقي هذه الحركات من المزيد من التفتت والإنهيار ولعل آخر الأمثلة على ذلك الإنقسامات التي ضربت حركة العدل والمساواة السودانية بخروج قيادات ذات وزن سياسي وتنظيمي كبير مثل الأمين السياسي وممثل الحركة في لجنة الترتيبات الأمنية سليمان صندل حقار وأمين إقليم كردفان آدم عيسى حسابو وأمين التفاوض والسلام أحمد محمد تقد لسان ونائب أمين الإدارة والتنظيم محمد حسين شرف إضافة إلى المستشار السياسي جبريل آدم بلال ورغم إختلافي الجوهري مع هؤلاء في إختيارهم الإنضمام إلى مليشيا الدعم السريع وهو خيار أراه طريقاً خاطئاً ووعراً وخطيراً على السودان فإن مجرد خروج هذه القيادات بهذا الحجم والتأثير لا يمكن التعامل معه بإعتباره حادثة عابرة أو مجرد خيانة فردية معزولة فالقضية أعمق من ذلك بكثير كان الواجب على قيادة الحركة وأنصارها أن يطرحوا على أنفسهم أسئلة صعبة وشجاعة ما الذي دفع هذه القيادات إلى هذا المسار؟ وما حجم الإحباطات أو الممارسات الداخلية التي أوصلتهم إلى هذه القناعة؟ وهل الأزمة تكمن فقط في الأشخاص الذين غادروا أم أن هناك بيئة تنظيمية وسياسية ساهمت في دفعهم نحو هذا الخيار؟ إن أي حركة سياسية أو عسكرية لا تراجع نفسها محكوم عليها بتكرار أخطائها والتنظيم الذي يرفض النقد الداخلي ويعتبر كل من يغادره خائناً أو متآمراً يفقد مع الوقت قدرته على الإصلاح والبقاء يصبح تجسيد للعبارة الشهيرة التي قالها السياسي الفرنسي شارل تاليران وهو يصف ٱل بربون (لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً) فالحركات التي بدأت ذات يوم حاملة لآمال المهمشين لا ينبغي أن تتحول إلى كيانات مغلقة تدور حول الأشخاص والعائلات وشبكات المصالح والنفوذ المالي لقد دفعت دارفور ثمناً باهظاً للحرب والانقسامات والولاءات الضيقة آلاف القتلى والجرحى ملايين النازحين واللاجئين قرى أُحرقت ومدن دمرت وأجيال كاملة كبرت على أصوات الرصاص والخوف والفقد وفي المقابل ظهرت طبقة جديدة من أمراء الحرب والسياسة راكمت النفوذ والثروة والإمتيازات بإسم القضية بينما ظل المواطن البسيط يدفع وحده ثمن الحرب والمعاناة إن الأزمة الحقيقية لم تعد فقط في حمل السلاح بل في الطريقة التي تحولت بها بعض الحركات إلى كيانات مغلقة تحتكر القرار والثروة والتمثيل وتعيد إنتاج ذات الممارسات التي خرجت في الأصل لمحاربتها فكيف يمكن لحركة ترفع شعار العدالة أن تمارس الإقصاء داخلها؟ وكيف لتنظيم يتحدث عن التهميش أن يحتكر المناصب والامتيازات في دائرة ضيقة من الأقارب والمحاسيب؟ وكيف لمن يدعي الدفاع عن الهامش أن يصنع داخل تنظيمه هامشاً جديداً؟ لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع أن دارفور أكبر من الحركات المسلحة وأن قضية الإقليم لا تختزل في فصيل أو قائد أو مجموعة مصالح فدارفور ليست ملكاً لأحد ولا حكراً على جماعة بعينها ولا إرثاً سياسياً تتوارثه العائلات والدوائر المغلقة إن مستقبل الإقليم والسودان عموماً لن يبنى بتكاثر الحركات والإنقسامات ولا بإعادة تدوير ذات القيادات والخطابات وإنما ببناء مشروع وطني حقيقي يتجاوز القبيلة والجهة والسلاح ويؤسس لدولة المواطنة والعدالة وسيادة القانون فالوطن أكبر من الجميع ودماء الناس أعظم من أن تتحول إلى وسيلة للصعود السياسي أو الابتزاز المسلح أو صناعة النفوذ الشخصي
وهنا تنتهي هذه السلسلة الأولى لتبدأ سلسلة جديدة أكثر عمقاً وجرأة تغوص في ملفات النفوذ المالي والشركات والرتب العليا والمحسوبية وتحويل بعض الحركات المسلحة إلى كيانات عائلية مغلقة

