مشارف الحياة: د. محمد أتيم

 

بعد أن صلّينا صلاة الفجر في المسجد، يوم الأحد 26 اكتوبر 2025. كان الهدوء يغطي المدينة كأنّه هدوء ما قبل العاصفة. لم تمر ساعة واحدة حتى اهتزّت الأرض تحت أقدامنا بصوت الانفجارات الأولى. عندها فقط أيقنتُ أنّ المعركة بدأت… وأنّ الفاشر قد سقطت.

خرجنا من المسجد ونحن في حالة ذهول، ننظر إلى السماء التي امتلأت بدخان أسود يتصاعد من جهات مختلفة. كانت الطلقات تأتي من كل اتجاه، وبدت الشوارع كأنها تنفجر بالحركة فجأة.

بدأ الناس يركضون بلا هدف… نساء يحملن أطفالهن، رجال يصرخون بأسماء مفقودين، كبار في السن يتعثرون وهم يحاولون اللحاق بالجموع.

تعالت أصوات البكاء، واستبدّ بالناس الخوف حتى فقد كثيرون القدرة على الكلام. لم نكن نعرف أي طريق آمن، ولا أي ناحية قد تؤدي بنا إلى النجاة. كانت المدينة تشبه متاهة من النار والدخان.

وبين الركض والصراخ، رأينا قتلى وجرحى ملقَين في الطرقات؛ بعضهم نعرفهم، وبعضهم لا. كانت السيارات متوقفة ومحترقة، والأبواب مكسّرة، والجدران مثقوبة بالرصاص. كان المشهد أشبه بيوم القيامة؛ يوم لا يلتفت فيه أحد للآخر، ويقول كل شخص في نفسه: يا ليت نفسي.

ورغم كل شيء، لم يفارقنا الأمل.

كتب الله لنا عمرًا جديدًا بعد أيام طويلة من الرعب والجوع والاختباء.

عشنا تحت وقع الدانات، وصوت المسيّرات، وقطع الماء والكهرباء. كنّا نعيش كل لحظة وكأنها الأخيرة، مستسلمين لأمر الله، ننتظر الفرج في كل يوم يمر.

وبحمد الله، تمكّنا في النهاية من الخروج من الفاشر. بعد رحلة شاقة، مليئة بالخوف والمفاجآت والحظ الذي كان يتقلب معنا في كل خطوة.

وصلنا إلى وجهتنا بسلام، وما زلنا نعيد في ذاكرتنا تفاصيل الرحلة، ونستجمع شتات ما رأيناه.

سنكتب في الأيام المقبلة أكثر عن طريق الخروج—كيف بدأ، وما واجهناه، وكيف كنّا نتعايش مع الوضع داخل الفاشر لحظةً بلحظة، حتى كتب الله لنا النجاة.

السبت 3 يناير 2026م

Exit mobile version