كتب: د. قاسم نسيم
يتصل حديثنا بما سبق، حيث بلغ الكاتب في سرده الدلنج وهو يراوح بالسرد أماما وخلفا فتغزل في معهدها، وأشبعه وصفًا لم يغادر فيه صغيرة ولا كبيرة، حتى تبلدية الشاعر جعفر محمد عثمان حيث وقف أمامها متبتلًا، ثم يواصل في سرد رحلته إلى كادقلي، لكن ليس قبل أن تكتمل الإجراءات الأمنية، ثم يقول “إن حرب الجواسيس في جبال النوبة كانت على أشدها، إذ يصعب التمييز بين الناس لمجرد سحناتهم، في منطقة يصعب أن تدعي فيها مجموعة سكانية ميزة النقاء العرقي… هذا الدمج التلقائي والانصهار الملحوظ يعكس مدى عمق العلاقات والتنوع بين أهالي جنوب كردفان”. ويستمر في السرد، حيث البص يسير مخفورًا بقوة تأمين عسكرية، ووصل منطقة الكرقل التي تتوسط الطريق بين الدلنج وكادقلي، ويلتقي طوف التأمين القادم من الدلنج مع القادم من كادقلي، فيعود كل منهما إلى مقره مع البص الذي كان يحرسه الطوف الآخر وتتبدل قوة التأمين، ثم ينطلق الطوف من الكرقل وهم متوجسون من الكمين المتوقع في منطقة خور الدليب، لكن تجاوزوه بسلام، بعد أن عاش القارئ مع السارد لحظات الترقب الرهيبة وحبس الأنفاس، ثم لحظة انزياح الخطر الباسمة، ثم عاد يلقي باللائمة على الإنقاذ التي جففت المدارس القومية وحولتها لمعسكرات تدريب عسكري وبذا كتبت نهاية مأسوية لمعهد بخت الرضا.
ما كان الكاتب يكترث بحصر موضوعاته في جنوب كردفان، فكثيرًا جدًا ما يقفز على حدود كتابه ليتحدث عن عالمية فكر الحركة الإسلامية التي لا تؤمن بالحدود الجغرافية، وشعارات الإسلاميين واستعداءهم لأمريكا، أو حرب دارفور وكارلوس والقبض عليه.وغير ذلك كثير، فكأنَّه يتداعى تداعٍ حر، وقد حاكم الشين في هذا الكتاب الحركة الإسلامية، في أقوالها وأفعالها محاكمة تندس وتتوزع بين حكاياه وسرده ومواقفه.
بلغ كاتبنا كادقلي وقد شدته مظاهر إعلان كادقلي الجهاد، وكانت التعبئة والتجييش في كل مكان. بعد أن استيقظ صباحا قفز إلى ذهنه الحديث عن تنظيم كمولو، وقرر أن مشكلة نخب جبال النوبة لم تتوصل إلى قاسم مشترك إلا في مرحلة واحدة أنجزها تنظيم كمولو، لكن هذا القول يجانب الصواب -عندي- ففي سنة 1965 عقب أكتوبرأنشأ مثقفو جبال النوبة اتحاد عام جبال النوبة الذي اكتسح دوائر الإقليم كلها. ويواصل الشين قائلًا إن الأيام أثبتت أن تلك النخب سرعان ما يتفرق فكرها وطرحها بين الكيانات والتنظيمات السياسية، حيث تتصارع وتتلاشى الرؤى والأفكار، ويبقى إنسان جبال النوبة الصابر في متاهة الانتظار، كما ذكر أن النوبة قد خرجوا صفر اليدين من برتكول المناطق الثلاثة الذي انهار بعودة المنطقة إلى الحرب وهذا هو حصاد جبال النوبة وهو محق في هذا.
وعن داخليته بمدرسة تلو يسرد معاناته مع البراغيث، ثم يطفق يصف الداخلية كأنَّك تراها، لم يترك فيها شيئًا، داخليات النوم، موائد الطعام، المسرح، الأنشطة، ميادين كرة القدم، حتى موقع المدرسة شرق المدينة والبيئة حولها وغير ذلك.
عاد إلى الوراء ليحكي قصة اللواء الفاتح بشارة حاكم إقليم كردفان إبان عهد نميري مع يوسف كوة ودانيال كودي، فقد أكدت له الأجهزة الأمنية تعاملهما مع الحركة الشعبية فحاول القبض عليهما لكنهما هربا، وهذه القصة بالطبع لم يكن الكاتب واعيا بالقدر الكافي حين حدوثها، لكنه- وهذا أسلوبه- يستدعي الأحداث بتقليب الوثائق ليستخرج شيئًا من الماضي يرمي به أمامنا، فحركة الزمن في سرده حركة تقدم إلى الأمام وتأخر إلى الخلف، ثم يوغل خلفا ليحدثنا قائلًا إن يوسف كوة كان نائبا لدائرة كادقلي وفي ذات الوقت هو نائب رئيس هيئة مجلس الشعب الاقليمي بكردفان ومقره الأبيض، ثم يقول وحتى لحظة وصولنا إلى هناك فإن إعلام الحركة الشعبية لم يفلح في توحيد الجبهة الداخلية على مستوى جنوب كردفان حتى تلتف حول مطالبه وقضاياه المصيرية التي وردت في أدبيات كمولو.
والكتاب محشود بالمشاهدات المتفرقة، وصور الحياة بتعاستها وحلاوتها، وجمالها وقبحها، وقد نجحت كاميرا الشين في التقاطها وإبرازها لنا بأزهى جماليات الصورة
تحدث الشين عن الصالح العام وصوره في كادقلي، وتحدث عن خريجي كادقلي الذين يحملون الشهادات الجامعية ثم لا يجدون فرصةً للعمل الحكومي، وذكر أن الكبت والعنصرية وعدم المساواة كلمات يمكن أن تعبر بعمق عن قضية جبال النوبة، فعلى مدى تاريخها الطويل في الحكم لم تنصف أحزاب الأمة والاتحادي والجبهة الإسلامية والقوميون العرب النوبة البتة، وذكر أنه رغم نيل الأحزاب التقليدية ثقة الأهالي هناك إلا أنها لم تقدم للمنطقة شيئا كما وعدت، الشيء الذي دفع أبناء المنطقة الى تأسيس تنظيمات سياسية مثل اتحاد عام جبال النوبة والحزب القومي السوداني وتنظيم كمولو والحركة الشعبية، لكنه يستدرك ويقول إن الأحزاب التقليدية عملت على إجهاض ذلك العمل أيضًا بدلًا من الاعتراف بالقضية
اثنى الشين على نساء جبال النوبة، وأعجب بجمالهن، لكنه كره ذلك اللون البني الي يطلى ثنايا بعضهن، فلما استفسر عنه علم أنه بسبب رواسب المياه الجيرية
ويعتقد الشين أن الإنقاذ عاقبت النوبة بتفكيك مشروعاتهم الحيوية نحو مؤسسة جبال النوبة الزراعية، ومشروع التنمية الريفية لجنوب كردفان كما فعلت نحو ذلك في دارفور.
وقد سرد الكاتب لقاءاته مع أهل السياسة والنشاط والفكر في كادقلي، ويرى أن نخب جبال النوبة متفقة في قضيتها العامة لكنها تتحدث بأكثر من لسان
لا أدري (أبثينة) هذه امرأة حقيقية أم من نسج خياله رمزًا أراد بها تجسيد تضحيات المرأة النوباوية، لكن بلا شك أن المرأة النوباوية قد ضربت أروع المثل بنضالها تاريخيًا تمثلًا بمندي بنت السلطان عجبنا، وحاليا بعشرات النسوة اللائي يحملن السلاح، وقاتلن وحرضن الرجال على القتال، والجميلة بثينة هذه كانت تقوم بأدوار خطيرة حين اشتدت وطأة القبضة الأمنية- من تجنيد وتكوين خلايا واتصال وغير ذلك.
إن صورة الطفلة ماريا التي بترت ساقها بلغم في مناطق أم دورين صورة مأساوية من الصور التي جسدها لنا المؤلف بكلماتٍ جعلتنا كأنَّنا نراها تحجل تارةً أو تتكي على عصاها أخرى، فنقل لنا الألم مجسدًا في طفلة في شجن الطفولة، وصورة صاحب الكارو (العربجي) وهو يسوقهم إلى داخلية تلو وبلالي لساتكه تصيح بسبب انعدام الشحم الأمر الذي سيؤدي إلى عطب الكارو حتمًا وبالتالي توقف مصدر دخله صورة تجعلك تستحضر قوله تعالى (كأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون) فهو يعلم عاقبة حال عربته لكنه يمضي في السبيل الذي يؤدي إلى هلاكه لا محالة، وصورة ذاك القابع في القهوة فحين سأله الكاتب سؤالًا له علاقة بالسياسة جعل يفرَّ وهو يقول إنت طالب ولا سياسي صورة تعبر عن الكبت والإرهاب الشديدين
كنت أود أن اعتبر هذا الكتاب رواية واستخدم أدوات تحليل الرواية فيه، فلعل كاتبه راو ٍضل سبيله، فكل عناصر الرواية مكتملة فيه ، فهو ينقلك إلى المكان فتحسه، ويعود ويمضي بك في أزمنته للوراء والأمام ، فيعيد لك بناء المتن الحكائي وفقًا للمبنى الحكائي الذي يراه وفي هذا يلعب بالزمن جيئةً وذهابًا، وفي منظوره السردي أو زاوية الرؤية كان يستخدم ضمير المتكلم، وهكذا يمكن إعادة نقد وتحليل هذا العمل من منظور روائي، لكن هذا المزيج أعطى الكتاب روحًا جديدة، وأعطى الحقيقة إشراقًا أبزغ. فهنيئًا للكاتب بهذه الإصدارة ذات الطريقة المتفردة، فهي لا تقرر الحقائق مثل الكتب، إنما تجعلك تحسَّها وتعيشها وتؤمن بها وتنتصر لها


