​تحقيق – دارفور الآن

 

​منذ مطلع يناير الجاري، شرعت حسابات موالية لمليشيا الدعم السريع، إلى جانب منصات إعلامية مرتبطة بها، في الترويج لتطبيق مصرفي أُطلق عليه اسم «بنك المستقبل». جرى تقديمه للرأي العام باعتباره “نواة لنظام مصرفي بديل” في مناطق سيطرة ما يُعرف بـ«حكومة التأسيس»، وزعمت المليشيا أنه خطوة لخدمة المواطنين بعيداً عن النظام المالي المركزي للدولة.

​ورافق هذا الترويج مقاطع مصوّرة تُظهر طريقة التسجيل، وسط ادعاءات تقنية مضللة أثارت جدلاً واسعاً.

قام فريق «دارفور الآن» بإخضاع التطبيق للفحص التقني والقانوني، ليكشف الحقيقة وراء هذه “الواجهة الرقمية”.

 

​التناقض الجوهري: “بنك” أم “خدمة تحويل داخلية”؟

عند فحص الرابط الرسمي للتطبيق على متجر (Google Play)، يظهر أول دليل على التضليل. التطبيق لا يحمل اسم «بنك المستقبل»، بل مسجل باسم (Future Money Service).

​والأخطر من ذلك هو “الوصف التقني” الذي وضعه المطورون أنفسهم للإفلات من ملاحقة جوجل القانونية؛ حيث يعرّف التطبيق نفسه صراحةً بأنه: “منصة داخلية مخصصة لتحويلات الحساب إلى الحساب بين أعضاء فريق محدد”.

هذا الاعتراف التقني يسقط صفة “البنك” عن التطبيق، ويؤكد أنه مجرد نظام لإدارة “العهد المالية” أو التحويلات بين مجموعة مغلقة من الأفراد (موظفين أو عناصر ميدانية)، وليس نظاماً مصرفياً متاحاً للجمهور أو خاضعاً لرقابة مالية.

​فضيحة “الكود”: تبعية تقنية مشتتة

كشف الفحص العميق لـ “اسم الحزمة” (Package Name) البرمجية للتطبيق عن مفاجأة أخرى؛ فالتطبيق مسجل برمز:

com.infotechlinksudan.webteclinksudan

هذا الرمز يشير إلى أن التطبيق ليس بناءً أصيلاً لـ “بنك المستقبل”، بل هو نسخة مكررة (White Label) تم استئجارها أو اقتباسها من شركة تُدعى (Info Tech Link Sudan). هذا التخبط بين المسمى التجاري في الدعاية والمسمى التقني في الكود يثبت أن المشروع عبارة عن “تجميع برمجيات” جاهزة لغرض الاستهلاك الإعلامي.

​الجهة المطورة: MEISOUR وعلاقتها بالمشروع

تظهر البيانات أن الجهة المطورة هي شركة (MEISOUR Solutions). وبالبحث في نشاط هذه الشركة، تبين أنها شركة برمجيات مقرها (دبي وصوماليلاند)، وهي شريك لنظام (Odoo) العالمي.

تخصص الشركة هو بيع أنظمة إدارة الموارد والشركات، مما يعني أن المليشيا لم تقم بإنشاء بنك بمتطلبات قانونية، بل قامت بشراء “ترخيص استخدام” لتطبيق مخصص أصلاً لإدارة الحسابات الداخلية للشركات الصغيرة والمؤسسات، ثم أطلقت عليه اسماً رناناً لخداع الرأي العام.

​غياب المعايير الأمنية والشرعية القانونية

من الناحية المصرفية، يفتقر تطبيق «Future Money» إلى: تراخيص من أي جهة تنظيمية دولية، كذلك التطبيق معزول تماماً عن النظام المصرفي العالمي (SWIFT) أو المحلي، مما يجعل الأموال المودعة فيه مجرد “أرقام وهمية” لا قيمة لها خارج نطاق التطبيق.

​وبصفته منصة “لأعضاء الفريق”، فإن كافة البيانات والودائع تقع تحت تصرف “مدير النظام” (Admin) بشكل مطلق، مما يشرعن عملية نهب منظمة لأموال أي مستخدم قد يثق في هذه المنصة.

تحذير أمني: مخاطر “التفعيل” والتسجيل في التطبيق

​بعيداً عن الجدل السياسي، كشف الفحص التقني لآلية عمل تطبيق Future Money Service عن مخاطر أمنية جسيمة تهدد أي شخص يحاول تحميله أو تفعيله على هاتفه الشخصي، وتتمثل هذه المخاطر في:

​انكشاف الهوية والموقع (Digital Tracking): بمجرد محاولة تسجيل الدخول أو طلب “تفعيل” الحساب، يقوم التطبيق برفع بيانات حساسة تشمل (رقم الهاتف، نوع الجهاز، المعرّف الفريد للجهاز، والموقع الجغرافي التقريبي) إلى خوادم تسيطر عليها جهة غير رسمية. في مناطق النزاع، تُعد هذه البيانات وسيلة استخباراتية لتتبع الأفراد وتحديد هوياتهم.

​خطر “المصيدة المالية”: بما أن النظام “مغلق” ويعتمد على موافقة (الآدمن)، فإن أي محاولة لشراء أرصدة رقمية عبر مناديب ميدانيين هي عملية “مقامرة” كاملة. لا يملك المستخدم أي ضمانة لاسترداد أمواله، حيث يمكن لإدارة التطبيق حظر أي حساب أو تصفير رصيده بضغطة زر دون وجود أي مرجع قانوني أو بنك مركزي يمكن اللجوء إليه لاسترداد الحقوق.

​الوقوع تحت طائلة القانون: استخدام أنظمة مالية “موازية” وغير مرخصة يُعد قانونياً جريمة تتعلق بـ (إدارة نظام مالي غير مشروع) و(غسيل الأموال). إن تسجيل المواطنين لبياناتهم في مثل هذه التطبيقات قد يضعهم مستقبلاً تحت طائلة المساءلة القانونية بتهمة التعامل مع مؤسسات غير شرعية.

​البرمجيات الخبيثة (Spyware): نظراً لغياب الرقابة والمؤسسية، لا يوجد ما يضمن عدم احتواء التحديثات المستقبلية لهذا التطبيق على برمجيات تجسس قادرة على الوصول إلى الصور، والرسائل، وجهات الاتصال الخاصة بالمستخدم، خاصة وأن التطبيق لا يتبع لمعايير الأمان العالمية (PCI-DSS) المتبعة في التطبيقات البنكية الحقيقية.

اقتصاد حرب بواجهة تقنية

​تشير المعطيات إلى أن «بنك المستقبل» ليس مشروعاً اقتصادياً، بل هو “أداة حرب إعلامية”. ففي الوقت الذي تُتهم فيه المليشيا بنهب البنوك وتدمير البنية التحتية للجهاز المصرفي السوداني، تحاول خلق “شرعية زائفة” عبر تطبيق هاتف لا يتجاوز كونه محفظة داخلية لتوزيع الأموال بين عناصرها.

​إن استخدام تطبيق مخصص لـ “إدارة فرق العمل” وتصويره للجمهور كبنك وطني، يمثل ذروة التضليل الرقمي، ويضع أموال وخصوصية أي مستخدم في خطر داهم، حيث لا توجد ضمانات قانونية أو فنية تحمي الودائع في نظام “مغلق” يفتقر لأدنى معايير الشفافية المالية.

لذلك يظل تطبيق (Future Money) مجرد “ظاهرة صوتية” في فضاء التطبيقات، وصفر قانوني في عالم المصارف، صُمم ليمنح وهماً بالدولة لواقع يفرضه السلاح.

​نصيحة الفريق التقني للمواطنين:

​”إن الأرقام التي تظهر على شاشة تطبيق (Future Money) ليست أموالاً حقيقية، بل هي مجرد قيود برمجية داخل ‘لعبة رقمية’ لا قيمة لها في السوق الحقيقي. الحفاظ على خصوصية بياناتك المالية والشخصية هو خط الدفاع الأول عن أمنك في ظل ظروف الحرب.”

Exit mobile version