كتب: ياسر نصرالدين حمزة السماني

ليست كل الحروب تُقاس بما تُحدثه من دمار، بل بما تُجبر أطرافها على فهمه. هناك لحظات نادرة في التاريخ، تدرك فيها القوى المتصارعة – رغم اختلاف القارات، وتباين الحضارات، وتضاد المعتقدات – أن الاستمرار لم يعد شجاعة، بل تهور، وأن التراجع ليس هزيمة، بل حكمة.

ما بين إيران والولايات المتحدة، لم يكن الصراع يومًا مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع إرادات، وحدود، وقدرة على الوقوف عند حافة الانفجار دون السقوط فيه. طرف يمتلك القوة العسكرية والهيمنة الدولية، وآخر يمتلك الصبر الاستراتيجي والقدرة على امتصاص الضغوط. ومع ذلك، كلاهما وصل إلى لحظة إدراك: أن كلفة الحسم أعلى من كلفة التعايش، وأن الانتصار الكامل وهم، بينما البقاء هو الهدف الحقيقي.

في تلك اللحظة، لم تنتصر قوة على أخرى، بل انتصرت الإرادة على الغرور، والعقل على الاندفاع. تم ضبط الصراع، لا إنهاؤه. تم تأجيل الانفجار، لا إلغاؤه. وهذا بحد ذاته إنجاز في عالم تحكمه حسابات المصالح لا الشعارات.

وفي قلب هذه المعادلة، برز عامل لا يقل أهمية عن السلاح: الانتماء.

نتذكر هنا تلك المقابلة مع مواطنة إيرانية تعيش في الولايات المتحدة، سعت للجوء، وطلبت حياة أخرى بعيدًا عن وطنها. لكنها، في لحظة الخطر، لم تتردد في إعلان موقفها: الانحياز الكامل لوطنها، والاستعداد للعودة والدفاع عنه. لم يكن ذلك موقفًا سياسيًا، بل موقفًا وجوديًا؛ لأن الوطن، في لحظات الحقيقة، لا يُقاس بالراحة التي يمنحها، بل بالمعنى الذي يمثله.

هذا النموذج لا يتحدث عن إيران وحدها، بل عن فكرة أعمق: أن الشعوب التي تنتصر في النهاية، ليست تلك التي تمتلك السلاح الأقوى، بل تلك التي تحتفظ بولائها حين تتعقد الخيارات.

وهنا، تقف حرب السودان كمرآة مؤلمة، ولكنها ضرورية.

بدأت كصراع على السلطة، ثم تحولت إلى تمرد على الدولة، ثم إلى ساحة مفتوحة لتدخلات الخارج، ثم إلى مأساة مركبة شارك فيها – للأسف – بعض أبناء الوطن، حين اختاروا الاصطفاف خلف مصالح ضيقة، أو الارتماء في أحضان قوى لا ترى في السودان سوى ورقة على طاولة.

وهنا تكمن الفجوة الأخطر:

بين من يرى الوطن قضية… ومن يراه فرصة.

الجيش، رغم تأخره في بعض مراحله، لا يزال يتحرك بمنطق استعادة الدولة، ولو ببطء. والمليشيا، رغم محاولاتها فرض واقع جديد، تواجه سؤالًا وجوديًا لا يمكن الهروب منه: كيف يمكن لحركة تسعى للحكم أن تبني شرعية على أنقاض وطن دمرته، وشعب انتهكته، ومجتمع شردته؟

الحكم ليس مجرد سيطرة على الأرض، بل قبول من الناس.

والقبول لا يُنتزع بالقوة، بل يُبنى بالثقة.

والثقة، حين تُكسر بهذا الشكل، لا تُرمم بسهولة.

وهنا، يصبح السؤال أكبر من من ينتصر عسكريًا:

من يمكنه أن يحكم بعد كل هذا؟

الإجابة، بوضوح مؤلم: لا أحد يمكنه أن يحكم وحده، ولا أحد يمكنه أن يستمر في الحرب دون أن يخسر كل شيء.

وهذا ما أدركته قوى كبرى في صراعات أعقد وأوسع:

أن الاستمرار في المواجهة ليس دليل قوة، بل علامة عجز عن إيجاد مخرج.

السودان اليوم لا يحتاج إلى انتصار طرف، بل إلى توقف الجميع.

لا يحتاج إلى مزيد من الحسم، بل إلى شجاعة التراجع.

لا يحتاج إلى خطاب تعبوي، بل إلى عقلانية تعترف بالخسارة الجماعية.

لقد فقدنا الكثير:

بنية تحتية،

اقتصاد،

أرواح،

وما هو أخطر… ثقة الناس في المستقبل.

ومع ذلك، لا يزال هناك ما يمكن إنقاذه:

فكرة الدولة نفسها.

السلام هنا ليس خيارًا مثاليًا، بل ضرورة وجودية.

ليس ضعفًا، بل وعي متأخر يجب أن يأتي الآن، قبل أن يصبح بلا معنى.

كما أدركت أطراف الصراع الدولي أن انتظار انهيار الآخر سيؤدي إلى انهيار الجميع، يجب أن ندرك نحن أيضًا أن الرهان على الزمن لم يعد في صالح أحد.

الجيش لا يستطيع أن يحارب إلى ما لا نهاية،

والمليشيا لا تستطيع أن تحكم ما دمرته،

والشعب لا يستطيع أن يتحمل أكثر مما تحمل.

إذن، أين المخرج؟

في إعادة تعريف الهدف:

ليس من يحكم… بل كيف يُحكم.

ليس من ينتصر… بل كيف نبقى.

المطلوب ليس اتفاقًا شكليًا، بل تحول في الفهم:

أن الوطن ليس غنيمة،

وأن السلطة ليست نهاية الصراع،

وأن السلام ليس توقيعًا، بل مسار طويل يبدأ بالاعتراف المتبادل بأن الحرب وصلت إلى حدها الأقصى.

في النهاية، هناك حقيقة بسيطة، لكنها قاسية:

كل الحروب تنتهي… لكن بعضها ينتهي بعد أن لا يبقى شيء يستحق الإنقاذ.

السؤال الآن ليس متى تنتهي الحرب في السودان،

بل: هل ستنتهي قبل أن ينتهي السودان نفسه؟

هنا، فقط، تصبح الحكمة واجبًا… وليست خيارًا.

Exit mobile version