صدى الواقع: محمد مصطفى الزاكي
في دارفور، حيث تختلط المآسي بالمفارقات، خرجت علينا حكومة “السلام” التي أعلنتها مليشيات الدعم السريع، وكأنها نسخة مطورة، أو بالأحرى مشوّهة من ألعاب الطفولة التي كنا نمارسها في أحياء زالنجي..
هناك، في زمن البراءة المشروخة بالفقر، كان “عبده أب قوب” يؤسس حكوماته على تراب البساتين، يصنع من علب السجائر أوسمة، ومن صوته قوانين، ومن نزواته نظام حكم كامل.. واليوم، بعد سنوات من النضج المفترض، نكتشف أن بعض الكبار لم يغادروا تلك المرحلة، بل حملوها معهم إلى ساحة السياسة..
التشبيه هنا ليس مجازاً عابراً، بل هو صورة طبق الأصل: حكومة بلا دستور، بلا مؤسسات، بلا شرعية، تقوم فقط على الرضا الشخصي و”اللعب النظيف” بمعايير عبده أب قوب..
الفرق الوحيد أن أطفال الأمس كانوا يدركون، ولو في قرارة أنفسهم، أن اللعبة ستنتهي مع جرس المدرسة، أما ساسة اليوم فيتعاملون مع “اللعبة” كأنها قدر دائم، يوزعون المناصب كما تُوزع الحلوى، ويستقبلونها بالزغاريد وكأنها فتح مبين، لا مسرحية هزلية تتكرر بنسخ أكثر فجاجة.
حين نتأمل تفاصيل “حكومة السلام”، تتكشف لنا أوجه الشبه العجيبة بينها وبين حكومة عبده أب قوب، حتى يكاد المرء يظن أن الرجل عاد من بستان محمد شالا ليكتب دستور هذه المرحلة..
أولى هذه التشابهات هي مصدر الشرعية: في الحالتين، لا وجود لقانون أو عرف أو تفويض شعبي؛ الشرعية تُستمد من رضا “القائد الأعلى”..
عند عبده، يكفي أن تكون صوّتك أعلى في اللعب أو قدرتك على إخضاع بقية الأطفال، وعندهم يكفي أن تكون ولاؤك ثابتاً لا يتزحزح.
ثانياً، طريقة توزيع المناصب: عبده أب قوب كان يصنع الرتب من علب السجائر، يخط عليها خطوطاً ويمنحها لمن يراه أهلاً للقيادة في “المعركة الوهمية”.
واليوم، تُمنح الحقائب الوزارية بنفس الخفة، لا بناءً على كفاءة أو خبرة، بل وفق ميزان الولاء، وكأن الوزارات مجرد ملصقات تُلصق على الصدور..
ثالثاً، طبيعة الفرح بالمناصب: أطفال الأمس كانوا يتبخترون بالرتب المصنوعة من الورق المقوى، يركضون في الأزقة وهم يظنون أنفسهم قادة جيوش..
المشهد ذاته يتكرر، لكن ببدلات رسمية هذه المرة؛ زغاريد، بيانات تهنئة، وصور تذكارية، وكأن المنصب غاية في ذاته، لا وسيلة لخدمة الناس..
رابعًا، هشاشة السلطة: حكم عبده كان ينتهي مع أول جرس مدرسة أو شجار كبير يفضّ اللعب، وكذلك هذه الحكومة، فهي قائمة على أرض رخوة، يمكن أن تتلاشى مع أول تغير في موازين القوة أو المزاج السياسي..
خامساً، استمرارية القائد: رغم تبدل الوجوه، يظل عبده أب قوب هو الرئيس الدائم في ذاكرة اللعبة، وكذلك الحال هنا؛ تتغير الأسماء، لكن مركز القرار يبقى محصوراً في دائرة ضيقة، لا تسمح بتداول حقيقي للسلطة..
وأخيراً، غياب الهدف الحقيقي: لعب الأطفال كان بلا غاية سوى تمضية الوقت، أما هذه الحكومة، فيبدو أنها لم تتجاوز تلك المرحلة، إذ تغيب عنها الرؤية، ويطغى عليها الأداء الاستعراضي، وكأنها لا تدير إقليماً مثقلاً بالجراح، بل تدير “حصة نشاط” مفتوحة.
المفارقة المؤلمة ليست في التشابه بحد ذاته، بل في أن واقعاً بهذه الخطورة يُدار بذهنية لعبة أطفال..
في زالنجي، كنا نضحك حين يعلن عبده أب قوب حكومته، لأننا نعلم أنها لعبة، وأنها ستنتهي مع حلول المساء أو بدء الدراسة..
أما اليوم، فلا أحد يضحك، لأن اللعبة أصبحت واقعاً، والنتائج لم تعد ضحكات عابرة، بل مصائر شعوب وأقاليم..
آن الأوان للتحرك القوات المسلحة لإغلاق “بستان اللعبة” هذا، وإنقاذ أهل دارفور من هذا العبث، ليتولى إدارة شؤون الناس هناك بعقلية الناضجين لا عقلية الصبيان التي تعبث بمصالحهم وأمنهم وسلامتهم.
لدارفور تاريخ عظيم لا يستحق “لعب الصبيان”، بل إلى دولة حقيقية، ومؤسسات حقيقية، وقيادة تدرك أن الوطن ليس ساحة تسلية، بل مسؤولية ثقيلة لا تُدار بعلب السجائر ولا بزغاريد اللحظة.


