ضل الحراز: علي منصور حسب الله

تواصل بعض الحركات المسلحة استدعاء قطاعات واسعة من الجماهير عبر خطاب يقوم على إثارة الهويات الضيقة وإستثمار مشاعر المظلومية والتهميش مع توظيف مكثف للغة التصنيف الإثني والتخوين السياسي فمرة يتهم رئيس مجلس السيادة باستهداف مكونات بعينها ومرة يصور رئيس الوزراء أو بعض المسؤولين وكأنهم خصوم لقبائل أو أقاليم محددة بينما يجري تقييم مؤسسات الدولة ومسؤوليها على أساس الإنتماء العرقي لا على أساس الأداء والكفاءة والموقف الوطني هذا الخطاب مهما حاول أصحابه تجميله بشعارات العدالة والحقوق يفتح الباب واسعاً أمام خطاب مضاد لا يقل خطورة لأن التصنيف الإثني بطبيعته يولد تصنيفاً مضاداً والاستقطاب لا ينتج إلا مزيداً من الاستقطاب وحين تصبح السياسة قائمة على سؤال من أي قبيلة أنت؟ بدلاً عن سؤال ماذا قدمت؟ فإن الجميع سيخسر وتتحول الدولة إلى ساحة نزاع اجتماعي مفتوح لا نهاية له فلا أحد ينكر وجود مظالم تاريخية حقيقية في دارفور وفي أقاليم السودان المختلفة كما لا يمكن إنكار وجود خطابات عنصرية وإقصائية مورست عبر عقود طويلة سواء من نخب سياسية أو إعلامية لكن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يطرح بوضوح هو هل تحارب العنصرية بعنصرية مضادة؟ وهل يواجه التهميش بإعادة إنتاج خطاب الكراهية والاستعلاء بصورة معاكسة؟ التجارب الإنسانية كلها تؤكد أن الضحية حين تتحول إلى نسخة أخرى من الجلاد فإنها لا تبني عدالة بل تؤسس لدورة جديدة من الأحقاد والانقسامات والمؤسف أن كثيراً من الحركات المسلحة بعد سنوات طويلة من العمل السياسي والعسكري لم تنجح في بناء خطاب سياسي ناضج يتجاوز مرحلة الشعارات التعبوية والانفعالات اللحظية فما يزال بعض ناشطيها يتعاملون مع القضايا الوطنية بعقلية المعسكرات لا بعقلية الدولة وأصبح بعضهم يوزع صكوك الوطنية والخيانة وفق المواقف الآنية ويصنف الناس إلى أبناء نضال وأعداء نضال بمجرد الاختلاف في الرأي وهنا يبرز سؤال مهم أين أجهزة الإعلام داخل هذه الحركات؟ وأين الناطقون الرسميون؟ وأين المؤسسات التي يفترض أن تضبط الخطاب وتوجهه؟ وأين وزير الإعلام في حكومة إقليم دارفور الدكتور أحمد شنب؟ وهل أصبحت مهمته تنحصر في تسيير الشؤون الإدارية واستلام مخصصات الوزارة آخر كل شهر دون دور ملموس في إدارة الخطاب الإعلامي والسياسي؟ أين دكتور شنب من هذا الانفلات؟ فمن غير المعقول أن تتحول المنصات الإسفيرية إلى مرجعية سياسية وإعلامية أساسية للحركات وهي تلفظ بساقط القول وتسب الديانة وتسيء إلى مكونات اجتماعية كاملة وتستخدم لغة قاع المدينة باستثناء بعض الأصوات القليلة المتزنة مثل الإعلامي علاء الدين دلدوم لقد أصبح الخطاب عند بعض المنصات مستنداً إلى منطق القوة المجردة ولغة المدفع (23) حتى بات البعض يلوّح علناً بأن بقاء هذا الوزير أو ذاك المسؤول مرهون بتدوير المدفع (23) وكأن الدولة تدار بمنطق الفوهة لا بمنطق المؤسسات والقانون وهنا يبرز السؤال الأخطر ماذا تبقى من معنى الأمان الوطني إذا أصبحت لغة التهديد العسكري جزءاً من الخطاب السياسي والإعلامي اليومي؟.

الحقيقة أن حالة الفراغ السياسي والإعلامي داخل كثير من الحركات جعلت بعض الناشطين وملاك الصفحات يقودون الرأي العام ويوجهون الخطاب دون رؤية استراتيجية أو مسؤولية وطنية لذلك أصبح الخطاب متقلباً وانفعالياً تحكمه ردود الأفعال أكثر مما تحكمه الحسابات السياسية الرشيدة والنتيجة أن الحركات بدلاً من أن تقدم نفسها كمشروع وطني جامع بدت في أحيان كثيرة وكأنها مجموعات ضغط اجتماعي تدافع عن مصالح ضيقة وتعيد إنتاج الانقسام الذي خرجت أصلاً لمحاربته.

ولا يمكن إنكار وجود أصوات تمتاز بالوعي والاتزان والقدرة على مخاطبة الجميع بلغة وطنية مسؤولة ومن بينهم الأستاذ علاء الدين دلدوم الذي يقدم نموذجاً أكثر هدوءاً وموضوعية في الطرح بعيداً عن الانفعال والتحريض لكن في المقابل هناك من يحتاجون إلى كثير من التروي وصقل التجربة والخبرة السياسية والإعلامية لأن بعض الخطابات التي تصدر منهم تتحول من حيث لا يشعرون إلى خدمة مجانية لخصومهم وتمنح الطرف الآخر الذريعة المثالية لتسويق رواياته المضادة إن أخطر ما تواجهه الحركات المسلحة اليوم ليس فقط تراجع شعبيتها أو فشل بعض اتفاقاتها السياسية وإنما فقدان البوصلة الفكرية والأخلاقية فالقضية العادلة يمكن أن تخسر مشروعيتها حين يحملها خطاب متطرف أو إقصائي أو متعال على الآخرين كما أن التحريض الإثني قد يمنح مكاسب إعلامية سريعة لكنه يدمر على المدى البعيد أي إمكانية لبناء دولة مستقرة أو مشروع وطني جامع.

لقد دفعت دارفور ثمناً باهظاً للحرب والانقسام وقدمت آلاف الضحايا من كل المكونات الاجتماعية ولذلك فإن تحويل الإقليم إلى ساحة احتكار سياسي أو عرقي يمثل خيانة لتاريخ المعاناة المشتركة فدارفور ليست ملكاً لقبيلة ولا حكراً لحركة ولا إرثاً سياسياً لفئة بعينها وإنما هي جزء أصيل من السودان الكبير بكل تنوعه وتعقيداته وتاريخه المشترك كما أن ادعاء بعض الحركات بأنها الممثل الحصري للإقليم أو الناطق الوحيد باسم أهله يمثل وهماً سياسياً خطيراً لأن المجتمعات أكبر من التنظيمات والأقاليم لا تختزل في جماعات مسلحة مهما كان تاريخها أو حجم تضحياتها فالتمثيل الحقيقي لا يفرض بالبندقية وإنما يكتسب عبر المؤسسات الديمقراطية والقبول الشعبي عبر صناديق الاقتراع والقدرة على تقديم مشروع وطني جامع السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من تجار المظالم بل إلى عقلاء قادرين على تحويل المظالم إلى مشروع إصلاح وطني حقيقي يحتاج إلى خطاب يواجه العنصرية دون أن يسقط فيها وينتقد التهميش دون أن يحول الوطن إلى قبائل متحاربة فالأوطان لا تبنى بالثأر السياسي ولا بالتحريض الاجتماعي وإنما تبنى بالعدالة وسيادة القانون والمواطنة المتساوية كما أن التجارب الإقليمية من حول السودان تؤكد أن الدول التي سمحت للهويات الضيقة بإبتلاع مفهوم الدولة دفعت أثماناً باهظة من الإستقرار والتنمية والسيادة الوطنية وحين تتحول الحركات السياسية إلى منصات تعبئة قبلية فإنها تفقد تدريجياً قدرتها على التحول إلى مشروع حكم رشيد مهما رفعت من شعارات الثورة والتغيير وإذا لم تراجع هذه الحركات خطابها السياسي والإعلامي بجدية وإذا ظلت رهينة للناشطين الانفعاليين ومنصات التعبئة القبلية فإنها ستخسر تدريجياً ما تبقى لها من رصيد أخلاقي وسياسي وستتحول من حركات رفعت شعارات العدالة والتغيير إلى جزء من الأزمة السودانية نفسها لا جزءاً من الحل.

وفي الحلقات القادمة سنتحدث بالتفصيل والمستندات عن شركة UMC المتحدة للتعدين المحدودة والأسهم البالغة (2225) سهماً في مربع (8) بولاية نهر النيل والتي جرى شراؤها بمبلغ قدره (3,700,000) دولار أمريكي مع إبراز المالكين الحقيقيين للشركة ودور (الدوبلير) الذي قام بتقمص شخصية بعض القادة وما يرتبط بذلك من أسئلة معقدة حول النفوذ والمال وتقاطعات السياسة بالتعدين والفساد المالي والسؤال الأهم من أين لهم هذا

 

ونواصل…

Exit mobile version