صدى الواقع: محمد مصطفى الزاكي
هناك في تخوم الصحراء الشاسعة، حيث تتلاشى الحدود بين السودان وتشاد كآثار الإبل في رمال متحركة، نسج الشيخ البدوي “دقلو موسى”حلماً، إمبراطورية من وحي خيمته المتواضعة..
كان الرجل، بعينين تتقاسمهما طموحات الصحراء وهواجسها، يرى في قطيعه الهزيل من الإبل والحمير نواة لدولة ذات سيادة، يطارد سراب السلطة كما يطارد الرعاة المطر..
كان يحلم بسلطنة تمتد من خيمته التي تراقصها الريح، وتصدر منها الأوامر، بينما تنبح الكلاب حولها كحرس جمهوري مستقبلي!..
لم يكن ذلك الحلم مجرد خيال عابر، بل تحول إلى إرث ثقيل حمله الأحفاد بجدية فاقت التصور..
فبينما كانت الأمم تبني دولها على أسس المؤسسات والقانون والعلم، ارتأى آل دقلو أن الدولة يمكن أن تُدار بعقلية القافلة البدوية: شيخ يقود، وعصا تضبط، وجموع تتبع الغبار..
لم يكن هذا الحلم سياسياً بالمعنى المتعارف عليه، بل كان تجسيداً لطموح بدوي ضخم، يرى في بندقية الكلاشينكوف مفتاحاً للقصور أسرع من أبواب المدارس والجامعات.
من هنا بدأت مأساة آل دقلو تتكشف، حيث تحولت الخيمة الصغيرة إلى مشروع إمبراطوري، وتضخم وهم السيطرة ليتحول إلى حرب ضروس التهمت البلاد وأصحاب الحلم معاً..
فالرجل الذي تخيل حكم السودان من على ظهر جمل، وجد أحفاده اليوم عاجزين حتى عن ضبط صفوف مليشيا تتآكلها الانشقاقات يوماً بعد يوم.
دخل آل دقلو المشهد السوداني من بوابة الهامش، واستقبلتهم مجتمعات دارفور بكرم أهل الأرض الذين يفتحون بيوتهم للغريب.. تمددوا في فوربرنقا والزرق ومناطق أخرى من دارفور، أسسوا لهم فيها “دُمُر”، وهي التجمعات الرعوية المؤقتة، ظناً من أهل دارفور أنهم يستضيفون جيراناً أنهكتهم الصحراء، ليكتشفوا لاحقاً أنهم احتضنوا وحشاً صغيراً نما في فنائهم..
حين جاءت سنوات الإنقاذ العجاف، وجدت في أبناء موسى دقلو ضالتها، أداةً مثالية لحربها ضد القبائل الأصلية في دارفور التي تجرأت لطلب حقوقها المستحقة من الدولة.. لم يتوانى آل دقلو في التحالف مع المؤتمر الوطني ” الإنقاذ” التي وفرت لهم الغطاء السياسي والسلاح، مقابل الرجال والخيل والنار لحرق القبائل المستضيفة لهم..
في تلك اللحظة، بدأت رحلة الصعود الكبرى، وصار حميدتي وعبد الرحيم “طاحونة” يتنقلان بين الجنرالات كتاجرين في سوق مواشٍ ضخم اسمه السودان.
المشكلة الجوهرية تكمن في أن من يتعلم السياسة داخل المعسكرات يظل ينظر إلى الدولة كغنيمة لا كوطن..
لم يكن مستغرباً أن يتحول الحلفاء إلى أعداء بمجرد أن لاحت لآل دقلو رائحة السلطة المطلقة.
انقلبوا على المؤتمر الوطني، ثم ارتدوا عباءة الثورة، وتحدثوا فجأة عن الديمقراطية والحرية والعدالة، وكأن الجنجويد اكتشفوا فجأة مؤلفات جان جاك روسو ومونتسكيو في صناديق سياراتهم اللاندكروزر..
كان المشهد يثير السخرية المريرة؛ مليشيا تحمل تاريخاً مثقلاً بالدم، وتقدم نفسها كمشروع للدولة المدنية الحديثة..
حميدتي يتحدث عن الانتقال الديمقراطي، بينما أصابع جنوده لا تزال ساخنة من زناد البنادق..
وعبد الرحيم طاحونة يتحدث عن بناء الوطن، وكأن الطاحونة لا تعرف سوى طحن القمح لا طحن المدن والقرى.
العقبة الكبرى أمام هذا الحلم كانت المؤسسة العسكرية السودانية؛ الجيش الذي ظن آل دقلو أنه مجرد بوابة يمكن كسرها بالمال والتحالفات الخارجية..
أدركوا مؤخراً أن ابتلاع السودان يتطلب دعماً أكبر، فلجأوا لأحضان الطامعين في ثروات السودان ومستثمرين في الخراب..
هكذا، دخلت الأجندات الأجنبية على الخط، وتحولت الحرب إلى مزاد إقليمي مفتوح، يدفع المواطن السوداني ثمنه من دمه وبيته وذاكرته.
ولكن فجأة وكما بدأ الحلم، يرتبك مشروع آل دقلو أكثر من الجيش نفسه، وتظهر التصدعات الداخلية في صفوف مليشياتها التي التقت على المصلحة الشخصية..
فالمليشيات التي تُبنى على الولاء القبلي لا تصمد طويلاً أمام الخسائر والطموحات الفردية..
كل قائد ميداني يبدأ مقاتلاً باسم العائلة، ثم ينتهي حاكماً صغيراً يحلم بنصيبه الخاص من الغنيمة..
لذلك، بدأت الانشقاقات تتوالى، وتتساقط القيادات، تاركة خلفها مشروعاً مثقوباً كخيمة قديمة في موسم العواصف.
إن الأزمة الحقيقية لقوات الدعم السريع لا تكمن فقط في خسائر الميدان، بل في الغياب التام لأي فكرة سياسية مقنعة يمكن أن تقدمها للشعب السوداني كمشروع وطني..
لأن الشعارات شيء، وبناء الدول شيء آخر؛ يمكنك أن ترفع لافتة الحرية فوق دبابة، لكنك لن تصنع بها دستوراً؛ ويمكنك أن تشتري ولاءات كثيرة بالمال، لكنك لن تشتري بها شعباً كاملاً..
وهكذا، يعود الدرس القديم ليصفع الجميع من جديد: القبيلة قد تؤسس قافلة، وقد تقيم سوقاً، وقد تشعل حرباً، لكنها لا تبني دولة؛
لأن الدولة ليست خيمة كبيرة، وليست شجرة نسب، وليست بندقية موزعة على الأقارب؛ الدولة هي فكرة ومؤسسات وعدالة، قبل أن تكون سلطة وكراسٍ وأموالاً..
واليوم، بينما تتشقق صفوف المليشيا وتتساقط القيادات من حولها، يبدو حلم موسى دقلو وكأنه عاد إلى نقطة البداية: شيخ بدوي يحدق في الصحراء ويحلم بإمبراطورية من سراب..
الفرق الوحيد أن هذا السراب ترك خلفه مدناً محترقة، وملايين النازحين، وبلداً يدفع ثمن وهمٍ ظن أصحابه أن السودان يمكن حكمه بعقلية “الدُمُر” وسوط الراعي..
لكن السودان، رغم كل الجراح، أكبر من خيمة، وأعظم من أن يُختزل في حلم بدوي عابر.


