مجرد راي: إبتسام مهدي

 

 

في أوقات الحروب والانهيارات الكبرى تصبح العدالة آخر ما يتمسك به الناس لأنها تمثل الحد الفاصل بين الدولة والفوضى وبين الحق والانتقام وبين القانون وهيمنة السلاح وعندما تهتز مؤسسة العدالة أو تستغل سياسياً وعسكرياً فإن المجتمع كله يصبح مهدداً بفقدان الأمن والثقة والمستقبل

ما يحدث اليوم في بعض المناطق الواقعة تحت سيطرة مليشيا الدعم السريع خاصة في جنوب دارفور ومدينة نيالا على وجه الخصوص يثير أسئلة خطيرة حول واقع العدالة ومصير المؤسسات القانونية وحجم الانتهاكات التي ترتكب باسم القانون بينما القانون نفسه غائب أو مغيّب لقد ظلت الإدارة القانونية ونيابات جنوب دارفور عبر سنوات طويلة واحدة من أكثر المؤسسات المهنية احتراماً في السودان وعرفت بوجود كوادر قانونية مؤهلة من وكلاء النيابة وقضاة ومستشارين ومحامين ممن امتلكوا الخبرة والكفاءة والنزاهة وكان المواطن… السوداني ينظر إلى النيابة العامة باعتبارها حصناً للحقوق وهيبةً للدولة وضمانةً لتحقيق العدالة بعيداً عن القبلية أو النفوذ أو السلاح وكانت نيابات نيالا في فترات سابقة تضم عدداً من أكفأ وكلاء النيابة في السودان ممن عرفوا بالعلم والخبرة وحسن السيرة ولم يكن يسمح لأي شخص بممارسة مهام قانونية أو الترافع أو تولي مسؤوليات العدالة إلا وفق الضوابط المهنية والقانونية المعروفة لذلك اكتسبت الإدارة القانونية في جنوب دارفور سمعة راسخة ومكانة محترمة داخل السودان وخارجه

لكن الحرب قلبت الموازين رأساً على عقب وفتحت الباب أمام حالة من العبث القانوني غير المسبوق حيث برزت كيانات وممارسات تحاول أن تمنح نفسها صفة الشرعية القضائية دون سند دستوري أو قانوني معترف به والأخطر من ذلك أن بعض الأشخاص الذين لم يعرف عنهم تاريخ مهني أو تجربة قانونية راسخة أصبحوا يتصدرون مشهد العدالة في مناطق النزاع في وقت يعيش فيه المواطن حالة من الخوف وفقدان الثقة

إن تعيين أشخاص في مواقع حساسة تتعلق بالعدالة دون معايير واضحة للكفاءة والخبرة والسيرة المهنية يمثل تهديداً مباشراً لما تبقى من مؤسسات الدولة فوزارة العدل ليست مؤسسة سياسية أو منصباً تشريفياً بل هي رمز لسيادة القانون وهيبة الدولة وأي عبث بها ينعكس على حياة الناس وحرياتهم وحقوقهم ومن المؤسف أن يشهد الواقع الحالي محاكمات وتسويات وإجراءات تفتقر إلى الحد الأدنى من الضمانات القانونية المعروفة في ظل تقارير متزايدة عن اكتظاظ السجون ووجود محتجزين دون إجراءات واضحة أو محاكمات عادلة أو اتهامات معلنة وهذه الممارسات لا تسيء فقط إلى المتضررين المباشرين بل تضرب في عمق سمعة القضاء السوداني الذي ظل معروفاً إقليمياً ودولياً بالمهنية والاستقلالية إن العدالة الحقيقية لا يمكن أن تدار بالعلاقات القبلية أو الولاءات العسكرية أو الحسابات السياسية ولا يجوز أن تتحول المؤسسات القانونية إلى أدوات لتصفية الخصومات أو حماية المتنفذين فالقانون وجد لحماية الضعفاء قبل الأقوياء ولضمان حقوق الجميع دون تمييز كما أن استمرار حالة الانفلات القانوني يدفع المواطنين إلى فقدان الثقة في مؤسسات العدالة ويجعل الكثيرين يخشون اللجوء إلى المحاكم أو النيابات في مناطق النزاع خوفاً من الظلم أو الانتقام أو غياب الضمانات القانونية وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة لأن انهيار الثقة في العدالة يعني عملياً انهيار فكرة الدولة نفسها ومن المهم التأكيد على أن المؤسسات العدلية السودانية رغم ما تمر به البلاد من حرب وانقسام ما زالت تضم رجالاً ونساءً مشهوداً لهم بالكفاءة والنزاهة والخبرة داخل السودان وخارجه وهؤلاء يمثلون الأمل الحقيقي في إعادة بناء دولة القانون بعد انتهاء هذه المحنة.

إن حماية سمعة القضاء السوداني مسؤولية وطنية وأخلاقية وتتطلب موقفاً واضحاً من كل الانتهاكات والممارسات التي تتم خارج الأطر القانونية والدستورية المعروفة كما أن أي تجاوزات أو جرائم أو انتحال لصفات رسمية يجب أن تخضع مستقبلاً لتحقيقات قانونية مستقلة وعادلة وفق القانون السوداني والمعايير الدولية للعدالة وفي ظل هذا الواقع المعقد، تبرز الحاجة الملحة إلى حماية استقلال القضاء والنيابة العامة من أي تدخلات سياسية أو عسكرية…

ورفض إنشاء أي أجسام عدلية موازية خارج الشرعية القانونية المعترف بها وضمان حقوق المحتجزين، والمحاكمات العادلة وفق القانون وتوثيق الانتهاكات القانونية والحقوقية تمهيداً للمساءلة مستقبلاً

وإعادة الاعتبار للمؤسسات العدلية السودانية وكفاءاتها المهنية المشهود لها

لقد عرف السودانيون القضاء باعتباره رمزاً للنزاهة والاتزان وظلت وزارة العدل واحدة من أهم مؤسسات الدولة الحديثة ولذلك فإن الحفاظ على هذه السمعة التاريخية واجب لا يحتمل الصمت أو المجاملة إن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تموت والتاريخ السوداني مليء، بالمحطات التي انتصر فيها القانون في نهاية المطاف مهما اشتد الظلم أو تغولت القوة

ويبقى الأمل أن تستعيد العدالة السودانية مكانتها وهيبتها وأن ينجو الوطن من الفوضى والانقسام وأن تعود مؤسسات الدولة لتعمل وفق القانون لا وفق السلاح حفظ الله السودان وأهله ورحم الله وطناً أنهكته الحرب وما زال يبحث عن العدالة والسلام،،

 

 

محبتي واحترامي

Exit mobile version