صدى الواقع: محمد مصطفى الزاكي

في مساءٍ باردٍ من أمسيات الغربة الثقيلة، جلس حيدر على كرسيٍ مهترئ في إحدى المقاهي الشعبية، يحدّق في فنجان قهوته كما لو أنّه يبحث في قاعه عن ملامح مستقبله الضائع…

لم يكن حيدر رجلاً عجوزاً أثقلته الحياة، بل شاباً سودانياً لم يتجاوز سنواته الأولى بعد المدرسة الثانوية، اقتلعته الحرب من دفاتر أحلامه قبل أن يكتب الصفحة الأجمل فيها..

خرج من بلاده على عجل، تاركاً خلفه أصدقاءه، ومقاعد الدراسة، وصوت والدته وهي توصيه بألّا يطيل الغياب.

ظنّ يومها أنّ الرحيل مؤقت، وأنّ الحرب مجرّد سحابة سوداء ستمرّ سريعاً، لكنّ الأيام تمددت كالصحراء، وتحول الانتظار إلى نمط حياة..

كان يجلس وسط ضجيج المقهى بينما عقله موزع بين طريقين كلاهما مُرّ؛

إمّا أن يتمسك بحلمه القديم ويواصل دراسته ليصل إلى كلية علوم الحاسوب التي طالما تخيل نفسه فيها، يكتب الأكواد ويصنع مستقبله بيديه، أو أن يبيع ما تبقى من عمره لمهربٍ مجهول، ويخوض البحر الأبيض المتوسط بحثاً عن حياةٍ يقال إنها أكثر رحمة في أوروبا.

كان يسمع يومياً قصص الذين ابتلعهم البحر، لكنه يسمع أيضاً قصص الذين ابتلعتهم الحرب وهم أحياء..

وحين تنظر إلى عيني حيدر، لا ترى شاباً واحداً، بل ترى جيلاً كاملاً من شباب السودان؛ جيلاً مزقته الحرب بين المنافي والمقابر وصفوف القتال وأرصفة الانتظار..

جيلٌ كان يفترض أن يحمل حقائب الجامعة، فإذا به يحمل همّ النجاة فقط..

ووسط هذا الضجيج الداخلي، كان حيدر يسأل نفسه بصمتٍ موجع:

هل يمكن للإنسان أن ينجو من الحرب دون أن يخسر نفسه؟..

إنّ مأساة الشباب السوداني اليوم ليست في الفقر وحده، ولا في اللجوء وحده، بل في ذلك التآكل البطيء للأحلام..

فالحرب لم تكتفِ بتدمير المدن والبيوت، بل ذهبت أبعد من ذلك حين حاصرت عقول الشباب بالخوف، ودفعت كثيرين إلى الوقوف حائرين أمام مستقبل غامض لا يشبه أعمارهم..

في كل مدينة لجوء، وفي كل مقهى صغير، ستجد نسخة أخرى من حيدر.

شاباً انقطعت دراسته، أو خريجاً كان ينتظر وظيفة تعينه على الحياة، أو عاملاً فقد مصدر رزقه، أو حتى شاباً كان يخطط للزواج وبناء بيت صغير، فإذا به يركض خلف تأشيرة أو فرصة نجاة.

لقد تحولت أحلام جيلٍ كامل إلى مشاريع مؤجلة تحت ضغط الحرب والخذلان..

ومن بين هؤلاء الشباب، اختار بعضهم طريق الدفاع عن الوطن، مؤمنين بأن البلاد لا يمكن أن تُترك نهباً للفوضى والمليشيات والمشاريع التي لا ترى في السودان سوى غنيمة حرب..

هؤلاء حملوا أرواحهم على أكفهم، لا حباً في الموت، بل خوفاً من ضياع الدولة نفسها.

وفي المقابل، انجرف آخرون خلف أوهام المليشيات المتمردة، بعدما خُدعوا بالشعارات والوعود والمال السريع، قبل أن يكتشفوا متأخرين أنهم خسروا أعمارهم في معركة لا تشبه أحلامهم ولا تشبه السودان الذي عرفوه..

كثير منهم عادوا بقلوب محطمة، وبعضهم لم يعد أصلاً.

وهناك فئة ثالثة، لا تقل وجعاً عن الجميع؛

شباب الشتات، الذين يعيشون بأجسادهم في المنافي بينما أرواحهم معلقة هناك في السودان..

يمشون في الشوارع بوجوه صامتة، لكن داخلهم ضجيج هائل من الأسئلة والخوف والحنين..

هؤلاء لا يعرفون إن كانوا سيعودون يوماً، ولا إن كانت بلادهم ستبقى كما عرفوها.

رغم هذا السواد الكثيف، تظل هناك نماذج مضيئة قاومت الانكسار..

شباب اختاروا أن يجعلوا من الحرب دافعاً لا نهاية، فواصلوا تعليمهم عن بُعد، أو تعلموا مهارات جديدة، أو دخلوا سوق العمل بأبسط الإمكانيات، مؤمنين بأن وضوح الهدف يجعل التحديات أصغر مهما عظمت..

هؤلاء لم يكونوا أقل ألماً من غيرهم، لكنهم أدركوا أن الإنسان إذا فقد هدفه الحقيقي، يصبح مجرد ناجٍ مؤقت من الكارثة، لا مشروع حياة.

إن السودان، مهما اشتدت جراحه، لن يُبنى بالسياسيين وحدهم، ولا بالبندقية وحدها، بل بعقول هؤلاء الشباب إذا استطاعوا النجاة من اليأس..

فاليأس هو الهزيمة الحقيقية التي تريد الحرب أن تزرعها في النفوس قبل الخراب.

لا أكتب هذه الكلمات باعتبارها خطبة وعظٍ عابرة، ولا وعداً سياسياً جديداً يشبه الوعود التي استهلكت أعصاب الناس ثم اختفت..

إنها فقط محاولة للإمساك بذلك الوجع المتناثر في صدوركم، ومحاولة لقول شيء دافئ وسط هذا البرد الطويل الذي صنعته الحرب..

أعرف أن الطريق قاسٍ، وأن أعماراً كاملة ضاعت بين النزوح والخوف والانتظار، وأن كثيرين منكم صاروا يستيقظون كل صباح دون يقين حقيقي بالمستقبل.

لكن الحياة، رغم كل هذا الخراب، لا تزال تخبئ فرصة لأولئك الذين يتمسكون بهدفهم كما يتمسك الغريق بخشبة النجاة الأخيرة.

لا تجعلوا الحرب تقنعكم بأنكم جيلٌ ضائع.

فالأوطان تمرض لكنها لا تموت، والإنسان قد يتعثر ألف مرة لكنه يستطيع أن يبدأ من جديد إذا بقي داخله شيء واحد لم ينكسر: الإيمان بنفسه.

قد يخذلكم العالم، وقد تتأخر الأحلام، وقد تبدو الطرق موصدة، لكن التاريخ دائماً يفتح أبوابه لأولئك الذين صبروا طويلاً دون أن يبيعوا أرواحهم لليأس.

وما رأيته في عيون الشباب السوداني، رغم القهر والخوف، ليس استسلاماً كاملاً؛ بل جمراً تحت الرماد ينتظر لحظة الاشتعال من جديد.

لهذا أقول لحيدر، ولكل من يشبه حيدر:

لا تخض البحر هرباً من نفسك، ولا تسلم روحك للعدم، فربما كان الطريق أطول مما توقعت، لكنه ليس مستحيلاً..

وعلى قدر عظمة الهدف… تصغر التحديات، مهما بدت مخيفة وثقيلة.

Exit mobile version