ضل الحراز: علي منصور حسب الله
في الدول المستقرة تعد الشهادة الثانوية وثيقة سيادية ووطنية لا تقل أهمية عن كثير من الوثائق الرسمية الأخرى لأنها تمثل البوابة القانونية والأكاديمية التي يعبر من خلالها الطلاب إلى مؤسسات التعليم العالي داخل البلاد وخارجها ولذلك فإن قيمة الشهادة لا تستمد من مجرد إنعقاد الإمتحان أو إعلان النتائج وإنما من الشرعية القانونية للجهة التي تنظم الامتحانات ومن سلامة الإجراءات والمؤسسات التي تقف خلفها ومن الثقة العامة التي يكتسبها النظام التعليمي عبر عقود من العمل المؤسسي المتراكم ومن هذا المنطلق يثور تساؤل مشروع حول الإمتحانات التي تعلن السلطات الموازية أو حكومات الأمر الواقع تنظيمها خارج إطار الدولة ومؤسساتها الرسمية هل يكفي عقد الإمتحان وحده لمنح الشهادة صفة الشرعية والإعتراف؟ الإجابة القانونية المختصرة هي لا فالإعتراف بالشهادات العامة لا يقوم على الإرادة السياسية للجهة المنظمة ولا على قدرتها على جمع الطلاب داخل قاعات الإمتحان أو طباعة الشهادات وإعلان النتائج وإنما يستند إلى منظومة متكاملة من القوانين واللوائح والمؤسسات الوطنية المعترف بها ولهذا فإن أي إمتحانات تنظمها جهة لا تستند إلى تفويض قانوني صادر من السلطة التعليمية المختصة تظل محل نزاع من حيث المشروعية وقابلية الإعتراف بها داخلياً وخارجياً
أولاً غياب السند القانوني تصدر الشهادات القومية عادة بموجب قوانين ولوائح تنظم التعليم العام وتحت إشراف وزارة التربية والتعليم أو المجالس والهيئات المختصة قانوناً وعندما تتولى جهة سياسية أو عسكرية أو حكومة موازية تنظيم امتحانات خارج هذا الإطار فإنها تفتقد للأساس القانوني الذي يمنح الشهادة قوتها الإلزامية وقابليتها للاعتماد فالقضية لا تتعلق بقدرة جهة ما على جمع الطلاب داخل قاعات الامتحان فذلك مجرد إجراء مادي يمكن لأي جهة القيام به وإنما تتعلق بالحق القانوني في إصدار شهادة قومية معترف بها وملزمة للدولة ومؤسساتها التعليمية والأكاديمية
ثانياً إنعدام الإختصاص القانوني تعد إدارة الإمتحانات القومية من الإختصاصات الحصرية للدولة بإعتبارها جزءاً من وظائف السيادة الوطنية المرتبطة بالتعليم والإعتراف الأكاديمي وتنظيم المؤهلات العلمية ولهذا فإن أي جهة غير مخولة قانوناً بممارسة هذا الإختصاص لا تستطيع إكتسابه بمجرد فرض الأمر الواقع أو السيطرة العسكرية على منطقة معينة فكما لا تستطيع أي جهة موازية إصدار جوازات سفر وطنية معترف بها دولياً أو سك عملة قانونية ملزمة للدولة فإنها كذلك لا تستطيع إصدار شهادة قومية تحل محل الشهادة الرسمية للدولة
ثالثاً مخالفة مبدأ وحدة النظام التعليمي
الإمتحانات القومية ليست مجرد إختبار أكاديمي وإنما تمثل إحدى أهم أدوات المحافظة على وحدة النظام التعليمي ووحدة المعايير بين جميع الولايات والأقاليم إن السماح بوجود إمتحانات موازية يؤدي عملياً إلى ظهور أكثر من شهادة قومية داخل الدولة الواحدة وهو وضع يهدد وحدة النظام التعليمي ويخلق حالة من الفوضى الأكاديمية والإدارية ويجعل من الصعب الحفاظ على معايير موحدة للقبول والتقييم والتنافس بين الطلاب فإذا تعددت الجهات المانحة للشهادات تعددت معها المعايير وضاعت العدالة التعليمية التي يفترض أن تقوم عليها الشهادة القومية
رابعاً غياب منظومة التوثيق والإعتماد
لا تعتمد الجامعات والمؤسسات الأكاديمية على الورقة التي يحملها الطالب وحدها وإنما تعتمد على وجود منظومة مؤسسية متكاملة تشمل السجلات الرسمية وقواعد البيانات المركزية ومراكز التصديق والجهات المختصة التي يمكن الرجوع إليها للتحقق من صحة النتائج والشهادات وعندما تغيب هذه المنظومة أو تصبح خارج الإعتراف الرسمي فإن عملية التحقق من الشهادات تصبح مستحيلة وهو ما يمنع إعتمادها أو معادلتها مستقبلاً
خامساً إشكالات الجودة والنزاهة الأكاديمية
الإعتراف بالشهادات لا يرتبط بمجرد عقد الإمتحان وإنما يعتمد على سلامة العملية التعليمية بأكملها بدءاً من إعداد المناهج وتأهيل المعلمين ومروراً بوضع الإمتحانات وتأمينها ونقلها وحفظها وانتهاءاً بعمليات التصحيح والرصد وإعلان النتائج وحق المراجعة والإستئناف وهذه الإجراءات تحتاج إلى مؤسسات مستقرة وآليات رقابية معلومة وأجهزة محاسبة ومراجعة معترف بها قانوناً وهو ما لا يمكن توفيره في مناطق النزاعات المسلحة أو المناطق التي تخضع لسلطات غير مستقرة مؤسسياً
سادساً صعوبات الإعتراف الخارجي
تعتمد الجامعات الأجنبية وهيئات معادلة الشهادات بصورة أساسية على المؤهلات الصادرة عن السلطات التعليمية الوطنية المعترف بها ولذلك فإن الطلاب الحاصلين على شهادات صادرة عن سلطات موازية أو جهات غير مختصة سيواجهون عقبات كبيرة عند التقديم للجامعات الأجنبية أو عند طلب معادلة مؤهلاتهم العلمية الأمر الذي قد ينعكس سلباً على مستقبلهم الأكاديمي والمهني
سابعاً غياب الإعتراف الدولي والمؤسسي
في العالم المعاصر لم يعد الإعتراف بالشهادات مسألة داخلية فحسب بل أصبح جزءاً من شبكة واسعة من العلاقات الأكاديمية الدولية واتفاقيات الإعتراف المتبادل بالمؤهلات التعليمية ولهذا فإن أي شهادة لا تصدر عبر القنوات الرسمية للدولة تجد نفسها خارج منظومة الإعتراف الإقليمي والدولي مهما كانت الجهة التي أصدرتها أو الظروف التي أحاطت بها فمن يدفع الثمن؟
الخطورة الحقيقية في هذه القضية لا تتمثل في الجدل السياسي أو القانوني ولا في الحملات الدعائية المصاحبة لها وإنما في مصير الطلاب أنفسهم
فالسياسي يستطيع تغيير موقفه والمسؤول يستطيع الإنتقال إلى موقع آخر أما الطالب فقد يكتشف بعد سنوات من الدراسة والإنتظار أن الشهادة التي حصل عليها لا تمكنه من الإلتحاق بالجامعة أو المنافسة العادلة في سوق العمل ولهذا فإن حماية حق الطلاب في تعليم معترف به يجب أن تكون أولوية تتقدم على أي حسابات سياسية أو عسكرية
المفارقة التي تثير التساؤلات
من أكثر الجوانب إثارة للإنتباه في هذه القضية سلوك القيادات نفسها وحقيقة موقفها من مستقبل هذه الشهادات
فقد سارعت منصات مليشيا الدعم السريع إلى نشر صورة لطالب داخل إحدى القاعات الدراسية زعمت أنه مرتضى محمد حمدان دقلو، نجل قائد المليشيا في محاولة لإضفاء قدر من المصداقية على الإمتحانات التي تنظمها
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت هذه الامتحانات تتمتع بكل ما يدّعى لها من شرعية وإعتراف ومستقبل أكاديمي مضمون فلماذا لا يجلس لها أبناء المسؤولين والقائمين عليها؟ فهناك عدد من المسؤولين المرتبطين بما يسمى بحكومة (تأسيس) أو المؤسسات التابعة لها إختاروا لأبنائهم وبناتهم مسارات تعليمية مختلفة تماماً عن المسار الذي يدعون أبناء المواطنين إلى سلوكه ويشار في هذا السياق إلى أن وزير التربية والتعليم في تلك الحكومة كوكو محمد جقدول أرسل إبنته للجلوس لإمتحانات الشهادة الثانوية بمدينة الدامر بولاية نهر النيل تحت إشراف وزارة التربية والتعلليم الرسمية كما أن يوسف إدريس يوسف رئيس ما يسمى بالحكومة المدنية بولاية جنوب دارفور ألحق ابنته بمدارس سودانية في جمهورية مصر العربية بينما فضّل مسؤول التعليم التابع للمليشيا في جنوب دارفور حافظ عمر إلحاق أبنائه بمدارس في أوغندا تعمل وفق المنهج السوداني المعتمد هذه الوقائع تثير سؤالاً أخلاقياً وسياسياً بالغ الأهمية لماذا يختار المسؤولون لأبنائهم مسارات تعليمية مختلفة عن المسار الذي يدعون أبناء المواطنين إلى سلوكه؟ فالقيادات التي تثق في مؤسساتها تبدأ عادة بأبنائها.أما حين يصبح أبناء المسؤولين أنفسهم بعيدين عن التجربة التي يروجون لها فإن ذلك يثير تساؤلات مشروعة حول مستوى الثقة في مستقبل تلك المؤسسات ومخرجاتها أكثر من مجرد إمتحان إن الشهادة الثانوية ليست مجرد امتحان يعقد ولا أوراق تطبع وتوزع وإنما هي عقد قانوني وأكاديمي وأخلاقي بين الدولة وأبنائها يقوم على الشرعية والإعتراف والثقة العامة ولهذا فإن أقوى الحجج القانونية ضد أي امتحانات موازية تتمثل في غياب السند القانوني الوطني
وعدم صدورها عن السلطة التعليمية المختصة ومخالفة القوانين المنظمة للتعليم العام وإنعدام آليات الإعتماد والتوثيق الرسمية وتعذر أو صعوبة معادلة الشهادات والإعتراف بها أكاديمياً
وتهديد وحدة النظام التعليمي ووحدة المعايير القومية ولا تعد هذه الإشكالات أمراً نظرياً أو افتراضياً بل سبق أن شهدتها عدة دول عانت من الحروب الأهلية والإنقسامات السياسية وظهور سلطات موازية ففي بعض المناطق التي خرجت عن سيطرة الحكومات المركزية في دول مثل الصومال وليبيا واليمن نشأت نظم تعليمية وإمتحانات تديرها سلطات محلية أو حكومات متنازعة الأمر الذي أدى لاحقاً إلى صعوبات كبيرة في الإعتراف بالشهادات ومعادلتها داخل البلاد وخارجها كما واجه كثير من الطلاب تحديات عند التقديم للجامعات أو الإنتقال بين المناطق المختلفة بسبب إختلاف المناهج والجهات المانحة للشهادات وقد إضطرت بعض الحكومات والجامعات وهيئات إلى إجراء إمتحانات إستثنائية أو اختبارات إضافية للتحقق من المؤهلات العلمية للطلاب القادمين من تلك المناطق وتؤكد هذه التجارب أن أي اضطراب يصيب وحدة النظام التعليمي أو يخلق سلطات متوازية في منح الشهادات تكون آثاره طويلة المدى على الأجيال القادمة وأن الخاسر الأكبر في نهاية المطاف ليس الأطراف السياسية المتنازعة وإنما الطلاب الذين قد يجدون أنفسهم بعد سنوات أمام مؤهلات يصعب الإعتراف بها أو الإستفادة منها أكاديمياً ومهنياً هذه الإمتحانات تعرض مستقبل الطلاب لمخاطر قانونية وأكاديمية جسيمة
والمساس بإحدى الوظائف السيادية الأساسية للدولة إن التعليم ليس ساحة للمغامرات السياسية ولا وسيلة لصناعة الشرعيات الموازية بل هو حق أصيل للأجيال القادمة ومسؤولية وطنية تتجاوز الصراعات الآنية وحين تضيع الشرعية والإعتراف والثقة العامة تصبح الشهادة مجرد ورقة تفتقد أهم ما يمنحها قيمتها الحقيقية: المستقبل




