ضل الحراز: علي منصور حسب الله

ذرفوا الدموع ابتهاجاً وهم يحتفون بالمسرحية الهزلية التي رُوِّج لها تحت عنوان أن مليشيا الدعم السريع أقامت امتحانات الشهادة الثانوية في مناطق سيطرتها انسابت دموعهم أمام عدسات الكاميرات وعبر منصات التواصل الاجتماعي وكأنهم يشهدون حدثاً وطنياً عظيماً يستحق الاحتفاء والتصفيق غير أن تلك الدموع لم تكن سوى ما يُعرف في الأدب السياسي والاجتماعي بـ(دموع التماسيح) ويستخدم هذا التعبير لوصف من يتظاهر بالحزن أو التأثر أو الفرح الإنساني النبيل بينما لا يشعر في حقيقة الأمر بشيء من تلك المشاعر وتعود أصول العبارة إلى أسطورة قديمة تقول إن التماسيح تذرف الدموع وهي تلتهم فرائسها وربما كان بين هؤلاء من صدقت مشاعره بالفعل ممن ظنوا أن مستقبل أبنائهم قد أصبح آمناً وأن مشكلة التعليم قد وجدت طريقها إلى الحل وهم لا يدرون أن أي شهادة لا تستند إلى الشرعية القانونية والاعتراف الأكاديمي تظل محل إشكال قانوني وتعليمي يلاحق الطلاب سنوات طويلة

وهكذا بدا حال الذين يحاولون اليوم تسويق صورة زائفة عن اهتمام المليشيا بالتعليم بينما التزموا الصمت المطبق أمام أكبر عملية تدمير ممنهج للبنية التعليمية شهدها إقليم دارفور في تاريخه الحديث فمنذ الساعات الأولى للحرب يوم السبت 15 أبريل 2023 حين شنت المليشيا هجومها على مدينة نيالا لم نسمع صوتاً واحداً من هؤلاء يبكي على ما أصاب المدينة ولم نر دمعة واحدة تسيل حزناً على ما تعرضت له عاصمة جنوب دارفور من تخريب وتدمير متعمد طال الإنسان والمؤسسات والخدمات العامة.في اليوم الأول للحرب أُحرقت مخازن وزارة التربية والتعليم بنيالا بما تحتويه من كتب مدرسية ومناهج تعليمية لجميع المراحل الدراسية الابتدائية والمتوسطة والثانوية آلاف الكتب التي أُنفقت عليها أموال الدولة وجهود المختصين تحولت إلى رماد في ساعات قليلة ومع ذلك لم نسمع صوتاً واحداً يستنكر ولم نشاهد حملة تضامن واحدة.ولم نر دموعاً تنهمر على هذا الخراب وامتدت ألسنة اللهب كذلك إلى مطبعة وزارة التربية والتعليم وهي من أحدث المطابع في غرب السودان فدمرت منشأة كانت تمثل ركيزة أساسية لإنتاج الكتاب المدرسي وخدمة العملية التعليمية في الإقليم بأكمله ومع ذلك لم يصدر بيان استنكار ممن يرفعون اليوم راية الدفاع عن التعليم وكأن تدمير أدوات المعرفة لا يستحق منهم كلمة واحدة.وقبل أن تغرب شمس السنة الأولى للحرب كانت الكارثة قد اتسعت بصورة تفوق الوصف فقد تعرضت جامعة نيالا لعمليات نهب واسعة شملت مجمع السنتر ومجمع موسيه وأُحرقت مكتبة الجامعة بما تضمه من كتب ومراجع علمية تراكمت عبر عقود طويلة من العمل الأكاديمي كما نهبت وأُتلفت معامل كليات الطب والبيطرة والهندسة وغيرها من الكليات العلمية التي تمثل عصب التعليم الجامعي والبحث العلمي ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تحول إلى ما يشبه الإبادة التعليمية المنظمة في مشهد يقترب من محاولة محو البنية المعرفية للإقليم بأكمله فقد تعرضت مقرات وزارة التربية والتعليم والمدارس والمؤسسات التعليمية في مناطق واسعة للنهب والتخريب والتدمير وسرقت الأثاثات والمعدات والوسائل التعليمية.وقتل عدد من المعلمين.وشرِّد المئات منهم فيما تعرض آخرون للاعتقال والسجن لمجرد وقوعهم في قبضة المليشيا.إن تدمير المؤسسات التعليمية لا يعني فقط هدم المباني وإحراق الكتب ونهب المعامل بل يعني في جوهره تدمير أحلام أجيال كاملة فكل مدرسة أُغلقت كانت تضم أطفالاً ينتظرون مستقبلاً أفضل وكل معمل نهب كان يمثل فرصة لطالب يطمح أن يصبح طبيباً أو مهندساً أو باحثاً.وكل مكتبة أُحرقت كانت تختزن ذاكرة علمية ومعرفية تراكمت عبر سنوات طويلة من الجهد والعمل ولذلك فإن استهداف التعليم لا يقاس بحجم الخسائر المادية وحدها وإنما بحجم الخسائر الإنسانية التي تمتد آثارها لعقود قادمة

بعد كل هذا الخراب وبعد كل هذه الجرائم التي استهدفت التعليم بصورة مباشرة تخرج علينا المليشيا ومن يساندها لتزعم أنها تضع التعليم في مقدمة أولوياتها وهي دعوى يصعب على أي عاقل تصديقها لأن الوقائع على الأرض تكذبها والشواهد الماثلة أمام الناس تنسفها من أساسها ومن الناحية القانونية.فإن الشهادات العامة لا تكتسب مشروعيتها من مجرد عقد الامتحان أو إعلان النتائج وإنما من صدورها عن سلطة تعليمية مختصة تستند إلى إطار قانوني معترف به داخلياً وخارجياً وتلتزم بمعايير موحدة في إعداد المناهج وإدارة الامتحانات وحفظ السجلات واعتماد النتائج ولهذا فإن أي شهادة تصدر خارج هذا الإطار تظل عرضة لإشكالات قانونية وأكاديمية تحرم حاملها من فرص مواصلة التعليم أو معادلة الشهادة أو الاعتراف بها في المؤسسات التعليمية الأخرى ولو أجرينا مقارنة تاريخية بين هذه المليشيا وكل الحركات المتمردة التي عرفها السودان عبر العقود الماضية بدءاً من تمرد جوزيف لاقو مروراً بحركة جون قرنق والحركات المسلحة في شرق السودان وجبال النوبة ودارفور فلن نجد سابقة واحدة لمجموعة متمردة منعت الطلاب والطالبات من السفر إلى المناطق الآمنة لأداء امتحانات الشهادة الثانوية المعترف بها قانوناً.ولم نسمع من قبل أن حركة متمردة اعتقلت طلاباً وطالبات كانوا في طريقهم إلى الامتحانات أو أعادتهم قسراً من نقاط التفتيش أو احتجزتهم داخل السجون كما فعلت مليشيا الدعم السريع عندما أعادت مئات الطلاب والطالبات واحتجزت عدداً منهم في سجونها بمدينة نيالا محرمة إياهم من حقهم الطبيعي في التعليم ومستقبلهم الأكاديمي إن الحق في التعليم من الحقوق الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية والقوانين الوطنية وأي جهة تعرقل وصول الطلاب إلى الامتحانات أو تمنعهم من مواصلة تعليمهم إنما ترتكب انتهاكاً صارخاً لهذا الحق ولذلك فإن الادعاء بالحرص على التعليم لا يقاس بالشعارات والصور الدعائية وإنما يقاس بحماية المدارس والجامعات والمعلمين والطلاب وتوفير البيئة الآمنة التي تمكنهم من مواصلة مسيرتهم التعليمية والأكثر إثارة للدهشة أن بعض من يحاولون إقناع الناس بأن المليشيا حريصة على تعليم أبناء المواطنين يروجون لصورة قيل إنها للطالب مرتضى محمد حمدان دقلو نجل قائد المليشيا حميدتي وكأن الصورة وحدها تكفي لإثبات صدق الرواية رغم الأخطاء فيها لكن الجميع يعلم أن أبناء القادة العسكريين والسياسيين وكبار المسؤولين ورجال الإدارة الأهلية لم يغامروا بمستقبل أبنائهم في امتحانات مجهولة المصير ومفتقدة للسند القانوني والاعتراف الأكاديمي بل حرصوا على إرسال أبنائهم وبناتهم للجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية المعتمدة قانوناً والمعترف بها داخل السودان وخارجه وهنا يبرز السؤال الجوهري إذا كانت هذه الامتحانات تمثل مستقبلاً آمناً للطلاب كما يزعمون فلماذا لم يكتفِ أصحاب النفوذ بها لأبنائهم؟ ولماذا سعوا إلى ضمان مشاركة أبنائهم في الامتحانات الرسمية المعترف بها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال وحدها كفيلة بكشف حجم التناقض بين الخطاب الدعائي والواقع ولعل أكثر ما يبعث على الأسى أن الضحية الحقيقية في هذه المعركة ليست الحكومات ولا الأطراف المتحاربة وإنما آلاف الطلاب والطالبات الذين وجدوا أنفسهم رهائن لصراع لم يختاروه هؤلاء الشباب لا يبحثون عن انتصار سياسي لهذا الطرف أو ذاك وإنما يبحثون عن مقعد دراسي آمن وعن كتاب وعن معلم وعن شهادة تفتح لهم أبواب المستقبل غير أن أحلامهم تحولت إلى وقود لحرب لا ترحم وإلى مادة للمزايدات السياسية والدعاية الإعلامية إن التعليم لا يبنى فوق أنقاض المدارس المحروقة ولا فوق رفوف المكتبات المدمرة ولا فوق جثث المعلمين ولا داخل السجون التي يُحتجز فيها الطلاب والتعليم لا يصبح مشروعاً وطنياً بمجرد تنظيم امتحان شكلي في ظل سلطة الأمر الواقع بل يحتاج إلى مؤسسات شرعية ومناهج معتمدة وسجلات رسمية واعتراف قانوني داخلي وخارجي يضمن للطالب حقه في مواصلة تعليمه والاستفادة من شهادته

أما تحويل معاناة الطلاب وآمال الأسر إلى مادة للدعاية السياسية ومحاولة تجميل وجه الحرب عبر مسرحيات إعلامية عابرة.فلن يغير شيئاً من الحقيقة والحقيقة هي أن من دمّر المدارس والجامعات وأحرق الكتب ونهب المعامل ومنع الطلاب من الوصول إلى الامتحانات لا يمكن أن يتحول فجأة إلى راعٍ للتعليم أو حارس لمستقبل الأجيال إن الأمم تقاس بما تبنيه من مدارس وجامعات ومراكز للمعرفة لا بما تهدمه من مؤسسات والتاريخ لا يخلّد الذين أحرقوا الكتب وأغلقوا أبواب العلم بل يخلّد الذين حموا المعرفة وصانوا حق الأجيال في التعلم. ولذلك ستظل ذاكرة الناس تحتفظ بالوقائع كما حدثت، بعيداً عن الضجيج الإعلامي والحملات الدعائية المؤقتة ولهذا فإن الدموع التي ذرفت احتفاءً بهذه المسرحية لم تكن دموع فرح بالتعليم.وإنما كانت مجرد دموع تماسيح سقطت على أطلال مؤسسة تعليمية تعرضت لأكبر عملية استهداف وتدمير في تاريخ الإقليم الحديث في وقت ما زالت فيه المدارس مدمرة والمكتبات محروقة والمعامل منهوبة وآلاف الطلاب والمعلمين يدفعون ثمن حرب لم يختاروها.ولا يزالون ينتظرون اليوم الذي يعود فيه التعليم رسالةً للنهضة والبناء لا أداةً للدعاية السياسية وتزييف الواقع

Exit mobile version