ضل الحراز: علي منصور حسب الله
تفضل المستشار يوسف الكلس بتاريخ 6 يونيو 2026م بمذكرة قانونية أولية بشأن ما ورد في المقال المنشور بعنوان (حين تحولت الحركات المسلحة إلى عائلات المال والنفوذ والسلطة والمحسوبية) وقد قمنا بنشر المذكرة كاملة دون حذف أو تعليق إيماناً بحق الرد وحرصاً على إتاحة الفرصة للرأي الآخر وهي قيمة أساسية في العمل الصحفي المهني خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا الشأن العام وإدارة المال العام وجاء في المذكرة (أن مبدأ افتراض البراءة من المبادئ القانونية الراسخة وأنه لا يجوز نسبة أفعال تشكل فساداً أو استغلالاً للمال العام أو مخالفات قانونية إلى أي شخص أو جهة قبل صدور نتائج تحقيق رسمي أو حكم قضائي نهائي من جهة مختصة) ونحن نتفق تماماً مع هذا المبدأ بل إن مقالنا لم يتضمن اتهاماً صريحاً لأي شخص بالفساد أو الاختلاس أو الاستيلاء على المال العام غير أن السؤال الجوهري الذي لم تتناوله المذكرة هو هل يحق للصحافة والرأي العام مناقشة الإجراءات الإدارية والمالية التي تبدو مخالفة للقانون واللوائح المنظمة للمال العام أم أن ذلك يصبح محظوراً إلى حين صدور حكم قضائي؟ إن موضوع المقال لم يكن يدور حول إثبات جريمة فساد وإنما حول فحص مدى سلامة إجراء إداري ومالي استناداً إلى مستندات ووثائق رسمية فالقضية المطروحة تتعلق بحسب الوثائق المتاحة بتفويض صدر لشراء عربة واحدة بقيمة ستين مليون جنيه لمصلحة حكومية بينما انتهى الأمر وفقاً للعقد والاتفاق الموثق إلى شراء عشرين عربة بموديلات مختلفة بلغت قيمتها الإجمالية أكثر من تريليون جنيه سوداني وهنا يبرز السؤال القانوني والإداري المشروع هل يتفق هذا التصرف مع حدود التفويض الممنوح؟ وهل تتطابق هذه الإجراءات مع أحكام قانون الشراء والتعاقد والتخلص من الفائض ولائحته التنفيذية؟ وهل تم الالتزام بالضوابط القانونية التي تحكم التصرف في المال العام؟ إن إثارة هذه الأسئلة لا تعني إطلاقاً إدانة أحد وإنما تمثل ممارسة مشروعة لدور الصحافة الرقابي في تسليط الضوء على الوقائع العامة التي تتعلق بإدارة الموارد العامة فالصحافة ليست محكمة تصدر الأحكام لكنها أيضاً ليست مطالبة بالصمت حتى تصدر الأحكام ويبدو أن هناك خلطاً بين أمرين مختلفين تماماً
الأول اتهام شخص بارتكاب جريمة فساد أو اختلاس وهو أمر يحتاج إلى تحقيقات وإجراءات قضائية وأدلة وإثبات قانوني
والثاني مناقشة مدى مشروعية قرار إداري أو إجراء مالي أو تعاقد حكومي في ضوء النصوص القانونية واللوائح المنظمة وهو حق أصيل للصحافة وللمواطنين وللجهات الرقابية فإذا كان القانون ينظم كيفية الشراء الحكومي ويحدد سلطات التفويض وإجراءاته وضوابطه فإن أي ملاحظة تتعلق بمخالفة تلك الضوابط تظل ملاحظة قانونية وإدارية مشروعة حتى قبل فتح أي تحقيق جنائي بل إن كثيراً من المخالفات الإدارية يتم اكتشافها ومراجعتها وتصحيحها قبل أن تتحول أصلاً إلى ملفات جنائية أو قضايا فساد
ويقول المستشار يوسف الكلس في مذكرته (أغفل الكاتب احتمال وجود استثناءات أو تفويضات أو إجراءات خاصة فرضتها ظروف الحرب والطوارئ والظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد وهو ما يجعل الاستنتاجات الواردة بالمقال غير مكتملة من الناحية القانونية) وهنا يثور تساؤل لا يقل أهمية عن التساؤلات السابقة ما هي هذه الاستثناءات؟ وما هو سندها القانوني؟ وأي جهة أصدرتها؟ وهل تم تضمينها في القرار أو التفويض أو العقد محل النقاش؟ فالقاعدة القانونية المستقرة تقضي بأن الاستثناء لا يفترض ولا يستنتج وإنما يجب أن يكون منصوصاً عليه صراحة وأن يستند إلى سلطة قانونية محددة أما الأصل فهو الخضوع للقانون واللائحة وليس الخروج عليهما وإذا كانت هناك حالة طوارئ أو ظروف استثنائية تبرر تجاوز بعض الإجراءات المعتادة فإن ذلك لا يعني إلغاء القانون أو تعطيل أحكامه بالكامل وإنما يستوجب وجود قرار قانوني واضح يحدد طبيعة الاستثناء وحدوده والجهة المخولة بإصداره والمدة التي يسري خلالها وعليه فإن عبء إثبات وجود هذا الاستثناء لا يقع على الصحفي الذي يناقش الوثائق المتاحة وإنما يقع على الجهة التي اتخذت الإجراء محل الجدل وكان الأولى إن كانت هناك استثناءات قانونية صحيحة أن تُعرض للرأي العام وأن تكون جزءاً من المستندات التي استندت إليها عملية الشراء والتعاقد واللافت أن المستشار يوسف الكلس لم يطعن في صحة الوثائق التي استند إليها المقال ولم ينازع في وجود التفويض أو العقد أو الوقائع الواردة فيهما رغم مطالبته بإبراز المستندات وبدلاً من ذلك استند إلى فرضية احتمال وجود استثناءات أو ظروف خاصة غير أن الاحتمالات لا تنفي الوقائع كما أن الافتراضات لا تصلح بديلاً عن النصوص القانونية أو المستندات الرسمية والأهم من ذلك أن قانون الشراء والتعاقد والتخلص من الفائض ولائحته التنفيذية لم يوضعا عبثاً.وإنما شرعا لضبط الصرف العام وحماية المال العام ومنع تضارب المصالح وضمان الشفافية والمنافسة والمساءلة وبالتالي فإن أي خروج على هذه الضوابط لا يصبح مشروعاً لمجرد افتراض حسن النية أو وجود ظروف استثنائية غير مثبتة فشراء عربة برادو بموجب التفويض الممنوح لمدير مكتب والي ولاية وسط دارفور أو شراء عشرين عربة كما ورد في العقد الموثق بمكتب الأستاذ خالد محمد الريح ببورتسودان ليس إجراءاً بسيطاً يمكن مقارنته بشراء أدوات مكتبية أو مستلزمات تشغيل يومية بل هو تصرف مالي كبير يخضع بطبيعته لرقابة قانونية وإجرائية أكثر صرامة لأن حجم الإنفاق وقيمة التعاقد يفرضان قدراً أعلى من الالتزام بالنصوص القانونية واللوائح المنظمة ومن هنا فإن الحديث عن وجود استثناءات لا ينفي بالضرورة وجود شبهة تجاوز للإجراءات بل قد يقود منطقياً إلى التساؤل عما إذا كان هناك بالفعل خروج على القواعد العامة استوجب البحث عن مبرر استثنائي له فالاستثناء لا يكون مطلوباً إلا عند تعذر السير وفق الأصل والأصل هنا هو الالتزام بالقانون واللائحة إن القضية المطروحة ليست قضية نوايا حسنة أو سيئة لأن إدارة المال العام لا تقوم على حسن الظن وحده وإنما تقوم على قواعد الشفافية والمساءلة والالتزام بالنصوص القانونية فالقوانين وُضعت أصلاً لتنظيم التصرف في المال العام وحمايته من الاجتهادات الفردية مهما حسنت النوايا ومهما كانت المبررات ولذلك فإن جوهر النقاش لا يتعلق بإدانة أشخاص أو التشهير بهم وإنما يتعلق بحق المجتمع في معرفة ما إذا كانت الإجراءات التي اتخذت قد تمت وفق القانون واللوائح أم لا فالمساءلة تبدأ بالسؤال والشفافية تبدأ بإتاحة المعلومات والرقابة تبدأ بمناقشة الوقائع لا بانتظار الأحكام النهائية فقط إن احترام مبدأ افتراض البراءة لا يعني تعطيل حق النقد أو إغلاق باب التساؤل حول القرارات العامة كما أن الدفاع عن سمعة الأشخاص لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة ضد النقاش المشروع حول كيفية إدارة المال العام وبين الإدانة القضائية والنقد الصحفي مساحة واسعة كفلها القانون والدستور ومبادئ الحكم الرشيد وهي المساحة التي نتحرك فيها ونتمسك بحقنا الكامل في ممارستها فالصحافة لا تحاكم الناس لكنها تطرح الأسئلة ولا تصدر الأحكام لكنها تراقب الأداء العام وعندما تصبح مجرد الأسئلة حول سلامة الإجراءات المالية والإدارية أمراً مزعجاً للبعض فإن المشكلة لا تكون في السؤال بل في الحاجة إلى إجابة واضحة ومقنعة عليه

