مشارف الحياة: د. محمد أتيم

 

​كانت ليلة السبت هي البرزخ الفاصل بين حرية النجاة وقيد الحصار. في ذلك المساء، اجتمعنا في منزلنا العامر بقلوبٍ يملؤها الود وتجمعها أواصر الأخوة، بينما كانت المدينة بالخارج تئن وتتلوى تحت وطأة انفلات أمني غير مسبوق. كان السؤال الذي يطاردنا جميعاً ويهز أركان الجلسة “كيف نخرج؟ ومتى؟”.

​لم يكن اجتماعاً عادياً، بل كانت ثلاث ساعات من الحيرة الوجودية والتشاور المرير. انقسمت الآراء وتعددت المخاوف، حتى أفضى بنا النقاش في النهاية إلى قرار الأغلبية “الانتظار لمدة 72 ساعة إضافية”.

 

​وسط ذلك الإجماع، كان هناك قلبٌ واحدٌ بيننا يبصر ما لا نراه، كان صوته يرتجف يقيناً وهو يصرخ فينا “اخرجوا الليلة.. لا تنتظروا الصباح!”. لكن، وفي حضرة الديمقراطية القاتلة، سقط رأيه بالتصويت، وظننا أن الحكمة في التريث.

 

​لم نكن نعلم أن بسقوط رأي ذاك الشخص، سقطت آخر فرصنا للخروج الهادئ. فما إن أشرقت شمس الأحد، حتى كانت الفاشر قد سقطت تماماً، وتبدلت أحلام الخروج الآمن بكابوس الحصار. رحلت المدينة من أيدينا، وتركت خلفها غصة وحسرة أبدية على قرار اتخذناه بالبقاء في لحظة كان فيها الوقت يداهمنا والقدر يسابقنا.

 

​وهنا، تبرز الحقيقة المرة التي لا نملك خياراً سوى مواجهتها في نهاية المطاف…

​أما الحقيقة الأخيرة.. تلك التي تختبئ خلف كواليس هذا القرار، فهي حقيقة جارحة لا أملك القدرة على البوح بها الآن، وسأتركها معلقةً لعلّ المقالات القادمة تمنحني القوة الكافية لذكرها.

Exit mobile version