مشارف الحياة : د. محمد أتيّم

 

​بينما كانت المدافع تخرق صمت مدينة “الفاشر”، وبينما كان الغبار يغطي ملامح الوجوه الخائفة، كان هناك صوتٌ نحيلٌ لكنه صلب كالجبال، ينبعث من جنبات مسجد الأنوار ونور الإسلام. إنه ليس مجرد صوت، بل هو “نور” انساب في عتمة الحرب ليربط القلوب بالسماء.

​إنه فضيلة الشيخ الدكتور الفاضل سليمان حامد، الرجل الذي لم تمنعه رقة بصره من أن يكون أبصرنا جميعاً بالطريق إلى الله.

​​تخيلوا رجلاً يحمل في صدره كتاب الله حفظاً وتفسيراً، ورغم أن عينيه لا تريان الدنيا كما نراها، إلا أن بصيرته كانت تقرأ آيات الطمأنينة في عز الخوف. في الوقت الذي صمتت فيه الكثير من المنابر، ظل الشيخ سليمان صامداً كالنخلة في “فاشر السلطان”، لم يغادر محرابه، ولم يترك أهله نهباً لليأس.

​لم تكن الحرب بالنسبة للشيخ الفاضل مجرد قذائف تتساقط، بل كانت اختباراً للثبات. ومن داخل مساجده التي اتخذها قلاعاً للروح، ظل يقدم، ​تفسير القرآن، و ​دروس العقيدة،و ​المواعظ اليومية.

​ظل الشيخ مرابطاً، يوزع النور والسكينة حتى يوم “سقوطه”؛ ذلك اليوم الذي لم يكن انكساراً، بل كان شاهداً على جسدٍ أنهكه الوفاء لرسالته. لقد علمنا الشيخ أن المرء لا يرى بعينيه، بل بقلبه، وأن “الحافظ” الحقيقي هو من يحفظ أمانة الكلمة حين يفر الجميع.

​إن صمود (الفاضل )، في الفاشر، وهو يعاني من ضعف البصر، هو أعظم درس في “علو الهمة”. إننا ومن باب الوفاء لأهل العطاء، نطالب بالالتفات لهذه القامة السامقة التي ضمدت جراح النفوس بآيات الذكر الحكيم، وظلت منارةً للحق في أحلك الظروف.

ستظل مساجد الفاشر تذكر ترتيله، وسيظل صدى صوته في “نور الإسلام” و”الأنوار” بوصلةً للمتعبين. سلامٌ على الشيخ الوقور، سلامٌ على بصير القلب الذي لم يضل الطريق حين تاهت الخطى.٠

Exit mobile version