ضل الحراز: علي منصور حسب الله

كلما كتبنا عن الأزمة الحقيقية التي تعاني منها الحركات المسلحة السودانية إنبرى بعض المدافعين عنها لترديد الأسطوانة المشروخة القديمة ذاتها (الشماليون فعلوا والشماليون استحوذوا والشماليون هم سبب كل ما حدث) وكأن هذا الخطاب وحده يكفي لتبرير الفشل السياسي والإداري والتنظيمي الذي لازم هذه الحركات منذ نشأتها وحتى اليوم لا أحد ينكر أن السودان شهد إختلالات تاريخية في توزيع السلطة والثروة والتنمية ولا أحد يستطيع إنكار أن أقاليم واسعة وعلى رأسها دارفور دفعت ثمناً باهظاً للتهميش والحروب والإهمال الرسمي لعقود طويلة ولا أحد يغالط بأن بعض الحكومات وعلى رأسها الحكومة السابقة كانوا وراء إتتشار السلاح في دارفور وفي أجزاء أخرى من السودان لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن بعض الحركات المسلحة ظلت تتعامل مع (المظلومية) بإعتبارها مشروعاً دائماً للإستثمار السياسي لا بإعتبارها قضية يجب أن تنتهي عبر بناء مشروع وطني جديد قائم على الكفاءة والعدالة والمؤسسات مع أن هذا الخطاب تبنته الحركة الشعبية لتحرير السودان ففصلت البلاد إلى دولتين وتبنته الحركات الدارفورية وعجزت أن تقدم مشروع وطني جامع واليوم يتبناه مليشيا الدعم السريع فالذي يتساءل بقوله هل أنت دعم سريع أقول ما الفرق بينكم وبين الدعم السريع إذا كان خطابكم نفس خطابه إن الأزمة الأساسية التي تواجه الحركات المسلحة ليست في غياب المناصب أو ضعف المشاركة في السلطة وإنما في غياب المشروع الفكري والرؤية الوطنية والإستراتيجية القادرة على إقناع قطاع واسع من الشعب السوداني بدعمها والإنحياز إلى خطها السياسي فمنذ سنوات طويلة إعتمدت هذه الحركات بصورة شبه كاملة على خطاب المظلومية التاريخية لكنها فشلت في تحويل تلك المظالم إلى برنامج وطني متكامل للإصلاح والتنمية وبناء الدولة وكان من المفترض بعد إتفاق جوبا للسلام أن تنتقل الحركات المسلحة من مرحلة (الإحتجاج المسلح) إلى مرحلة (الإدارة السياسية الرشيدة) وأن تقدم نموذجاً مختلفاً في التفكير والتخطيط وإدارة الموارد لكنها للأسف ظلت أسيرة عقلية المحاصصات وتقاسم المواقع والنفوذ بينما تراجع الحديث عن بناء المؤسسات وإعداد الكوادر ووضع الخطط الإستراتيجية وإنتاج المعرفة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والأخطر من ذلك أن هذه الحركات لم تقترب بصورة جادة من النخب العلمية والخبرات الأكاديمية وأصحاب الكفاءة والتجارب من أبناء دارفور والسودان عموماً بل إن كثيراً ممن إنضموا إليها من أصحاب المؤهلات والخبرات تم إقصاؤهم عملياً أو وضعهم في (حالة إنتظار مفتوحة) في مقابل الإعتماد على أصحاب الولاءات الشخصية والمجاملات والعلاقات الضيقة وعلى جماعات (اللِّت والعجن) و(ال يس مان) و(حاضر سعادتك) وهي بيئة تقتل أي مشروع إصلاحي حقيقي وتحول التنظيمات السياسية إلى دوائر مغلقة لا تنتج فكراً ولا تبني دولة ومن يتابع أداء هذه الحركات خلال السنوات الماضية يلاحظ أنها لم تعقد مؤتمراً فكرياً حقيقياً ولا ملتقى علمياً موسعاً ولا سمناراً إستراتيجياً جاداً لمناقشة مستقبل السودان أو مستقبل دارفور أو حتى لتقييم تجربتها السياسية والعسكرية والتنظيمية فلم نر مراكز دراسات تابعة لها ولا أوراق سياسات عامة ولا برامج إقتصادية واضحة ولا تصورات متكاملة لإعادة الإعمار والتنمية والعدالة الإنتقالية وإصلاح الخدمة المدنية ورغم أن بعض قادتها أصبحوا شركاء فعليين في السلطة الحاكمة فإن الخطاب القديم ظل كما هو مظلومية وتهميش وإدانة مستمرة (للشماليين) وكأن شيئاً لم يتغير وإذا كان البعض يرى أن أخطاء بعض السياسيين تحسب على مجتمعاتهم أو أقاليمهم فإن ذات المنطق يجعل أخطاء قادة الحركات المسلحة محسوبة على دارفور لأنهم مارسوا السلطة بالفعل وأصبحوا جزءاً من الدولة ومؤسساتها وليسوا مجرد معارضين في الهامش والحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها أن دارفور نفسها لم تخرج من (مولد تقسيم كعكة السلطة بلا حمص) كما يروج البعض بل نالت حصة معتبرة في السلطة الإنتقالية ومؤسسات الحكم فقد حصلت الحركات المسلحة الدارفورية على ثلاثة أعضاء في مجلس السيادة ومنصب المدير العام لجهاز المخابرات العامة وخمسة وزراء اتحاديين من بينها وزارات سيادية ومؤثرة بالإضافة إلى منصب حاكم إقليم دارفور وخمسة ولاة يمثلون ولايات دارفور المختلفة فضلاً عن وزراء حكومة الإقليم فنجد أن حركة العدل والمساواة بقيادة الدكتور جبريل إبراهيم محمد نالت وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي وهو المنصب الذي يشغله الدكتور جبريل إبراهيم نفسه كما نالت وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية التي يشغلها الأستاذ معتصم أحمد صالح آدم أما حركة تحرير السودان جناح مني أركو مناوي فقد نالت وزارة المعادن التي يشغلها الأستاذ نور الدائم محمد أحمد طه بالإضافة إلى منصب حاكم إقليم دارفور الذي يشغله مناوي نفسه كما نالت الحركة الشعبية قطاع دارفور (التحالف السوداني) التي كان يقودها والي غرب دارفور الشهيد خميس أبكر وزارة الشؤون الدينية والأوقاف التي يشغلها الأستاذ بشير هارون عبد الكريم عبد الله إلى جانب منصب والي غرب دارفور الذي يشغله الأستاذ بحر الدين آدم كرامة أما حركة تحرير السودان بقيادة مصطفى نصر الدين محمد تمبور فقد نالت منصب والي يشغله تمبور نفسه كما نالت حركة تحرير السودان (المجلس الانتقالي) عضوية مجلس السيادة التي يشغلها صلاح الدين آدم تور رصاص إضافة إلى منصب والي شمال دارفور الذي كان يشغله نمر عبد الرحمن قبل إنضمامه إلى المليشيا ليصبح المنصب شاغراً بعد ذلك ويشغل الفريق أول ركن أحمد إبراهيم مفضل منصب المدير العام لجهاز المخابرات العامة بينما يشغل الفريق مهندس مستشار بحري إبراهيم جابر كريم منصب عضو مجلس السيادة ومع كل هذه المواقع والنفوذ لا يزال بعض المدافعين عن الحركات يتحدثون عن (استحواذ الشماليين) على السلطة وكأن الحركات ليست جزءاً أصيلاً من الحكومة ومؤسساتها وتستمر ذات المناحات السياسية القديمة بينما الواقع يقول إن الأزمة لم تعد أزمة غياب تمثيل بل أزمة سوء إدارة لهذا التمثيل نفسه وبدلاً من تقديم مشروع حقيقي لإعادة بناء الإنسان في دارفور أو السعي الجاد لتوظيف الكفاءات والخبرات العلمية من أبناء الإقليم داخل مؤسسات الدولة الخدمة والمدنية يجأر البعض بالشكوى كطفل خطفت منه قطعة شوكولاتة مع أن المعركة الأهم والأكثر تأثيراً في مستقبل المجتمعات تتمثل في بناء الإنسان وتوظيف الشباب ووضع الإستراتيجيات لا الإكتفاء بالصراع حول الوزارات والمخصصات والمواكب والحراسات فالأولى بهذه الحركات أن تدفع باتجاه تعيين وتأهيل الشباب والإستفادة من الخبرات داخل مؤسسات الدولة المختلفة فهناك كفاءات حقيقية من أبناء دارفور يمكن أن تسهم في بناء الدولة السودانية إذا وجدت الإرادة السياسية مثل الدكتور عبد الكريم موسى في مجال شركات إنتاج البترول والسفير محمد بشير أبو نمو الرجل الذي أثبت وطنيته وكفاءته خلال فترة المفاوضات بين الحركات والحكومة وفترة شغله منصب وزير المعادن والدكتور إيدام عبد الرحمن في الحكم المحلي والدكتور محمد حامد معلا الخبير والعالم الجيلوجي الذي يحمل مؤهلات الجيو فيزياء من روسيا وامريكا ويدرس المادة في جامعتي الخرطوم وجوبا والدكتور خاطر طوباي إخصائي النساء المعروف وهناك مئات المهندسين وعلماء الاجتماع والاقتصاد والطب والدكتور إدريس يوسف في هندسة الإتصالات والدكتور آدم إبراهيم علي في الهندسة المدنية لكن يبدو أن بعض قادة الحركات لا يرون قيمة إستراتيجية لمثل هذه التعيينات لأنهم ما زالوا ينظرون إلى السلطة بإعتبارها (غنيمة سياسية) أكثر من كونها مسؤولية وطنية لبناء الدولة وفي المقابل تزخر دارفور بعشرات الخبراء والأكاديميين وأصحاب التجارب الذين كان يمكن أن يشكلوا نواة مشروع نهضوي حقيقي لو تم جمعهم في مؤتمرات وورش عمل وهيئات تخطيط إستراتيجي لصياغة رؤية تنموية متكاملة للإقليم والسودان فعلى سبيل المثال يوجد الدكتور علي إبراهيم علي في التخطيط الإستراتيجي والدكتور آدم محمد آدم في الإقتصاد والدكتور عبد الله عثمان التوم وهو خبير إستراتيجي في عدد من الجامعات الأوروبية وفي مجال الإعلام نجد الأساتذة عبد الله آدم خاطر والصادق الرزيقي ومحمود أحمد الشين صاحبة كتاب قصتي مع اسوء كارثة إنسانية الذي شخص فيه أزمة دارفور وخالد عبد الرحمن تكس وفي مجال الزراعة البروفيسور إبراهيم الدخيري لكن هذه الطاقات ظلت معطلة بعيدة عن صناعة القرار ولا مجرد مستشارين من الخارج بلا صلاحيات ولا إمتيازات ولا تأثير حقيقي لأن الحركات المسلحة لم تبنِ مؤسسات حقيقية وإنما بنت شبكات ولاء سياسية وعسكرية ضيقة لا تختلف عن الدعم السريع في شئ رغم أننا ننعت الدعم السريع بوصفه مشروع أسري مرتبط بالماهرية أولاد منصور (الحنيك) وتحديداً أبناء مدلل وأقيمر ودقلو مع أن هذه الحركات نفسها عشائرية ولم تخرج من البيوتات لذلك بقيت عاجزة عن التحول من حركات مطلبية إلى مشاريع قادرة على قيادة المجتمع وصناعة المستقبل إن أزمة السودان اليوم ليست أزمة تمثيل جهوي وليست أزمة (شمال) و(هامش) بالصورة التبسيطية التي يرددها البعض وإنما هي أزمة نخبة سياسية كاملة فشلت على مدى عقود في بناء مشروع دولة حديثة تقوم على الكفاءة والمؤسسات والعدالة وسيادة القانون كما أن إستمرار بعض الحركات المسلحة في الإحتفاظ بخطاب الحرب وحكاية تدوير المدفع 23 لحماية مكاسب إتفاقية جوبا وهي داخل السلطة يكشف عن تناقض عميق بين الشعارات والممارسة فمن يحمل السلاح بإسم التهميش ثم يتحول إلى جزء من السلطة دون أن يغير أدوات تفكيره أو أساليب إدارته فإنه يعيد إنتاج الأزمة ذاتها بصورة جديدة لقد أثبتت تجارب عديدة حول العالم أن الحركات المسلحة لا تنجح في التحول إلى قوى سياسية محترمة إلا عندما تنتقل من عقلية (الثورة الدائمة) إلى عقلية (الدولة) ومن ثقافة الغنائم إلى ثقافة المؤسسات ومن منطق الزعيم الملهم إلى منطق الإدارة الحديثة القائمة على التخطيط والمحاسبة والكفاءة

وإذا أرادت الحركات المسلحة أن تحافظ على ما تبقى من رصيدها السياسي والأخلاقي فعليها أن تنتقل من مرحلة المتاجرة بالمظلومية إلى مرحلة إنتاج الحلول ومن عقلية اقتسام السلطة إلى عقلية بناء الدولة ومن الولاءات الشخصية إلى المؤسسية ومن الخطاب التعبوي إلى التخطيط العلمي كما أن عليها أن تدرك أن المواطن البسيط في دارفور لم يعد يبحث عن الخطب والشعارات بل يبحث عن الأمن والغذاء والتعليم والعلاج وفرص العمل والعدالة والخدمات الأساسية فالمواطن الذي يعيش في معسكر نزوح أو في مدينة مدمرة لا تعنيه كثيراً بيانات التخوين والاتهامات المتبادلة بقدر ما يعنيه أن يجد دولة تحميه وتحفظ كرامته وتوفر له الحد الأدنى من الحياة الإنسانية أما الاستمرار في ترديد شعارات التهميش القديمة رغم الوجود الواسع داخل السلطة فلن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة بينها وبين المواطنين وتكرر تجربة حميدتي آخر خاصة في ظل الأوضاع الكارثية التي يعيشها أهل دارفور والسودان عموماً من نزوح وفقر وانهيار للخدمات وإنعدام للأمن

فالشعوب لا تقيس القوى السياسية بعدد البيانات والخطب ولا بالعنتريات وإنما بما تقدمه من مشاريع وأفكار وإنجازات حقيقية على أرض الواقع وفي النهاية فإن دارفور ليست ملكاً لحركة مسلحة ولا لقبيلة ولا لزعيم سياسي بل هي جزء أصيل من السودان ومستقبلها لا يمكن أن يبنى عبر إحتكار التمثيل أو إبتزاز الدولة بالسلاح وإنما عبر مشروع وطني جامع يؤمن بالمواطنة والكفاءة والعدالة والتنمية المتوازنة وسيادة القانون

نواصل…

Exit mobile version