ضل الحراز: علي منصور حسب الله

في الوقت الذي تتصدر فيه أخبار المعارك والتحالفات السياسية والعسكرية واجهات المشهد السوداني يظل هناك مشهد أكثر قسوةً وأشد إيلاماً يجري بصمت بعيداً عن عدسات الإعلام وإهتمام الساسة وهو مشهد عشرات الآلاف من اللاجئين والنازحين الذين فروا من جحيم الحرب في معسكر زمزم ومدن نيالا والفاشر ومناطق دار زغاوة ليستقر بهم الحال في معسكرات تلم وهيردمي وملح وكارياري وعيد النبق ودوقوبا وهريبا وغيرها داخل الأراضي التشادية حيث يعيشون أوضاعاً إنسانية بالغة السوء تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الإنسانية هؤلاء الناس لم يخرجوا من ديارهم طلباً للرفاهية ولا سعياً وراء امتيازات سياسية أو مكاسب سلطوية وإنما فروا بأرواحهم من القصف والجوع والموت والانهيار الكامل للخدمات خرجوا حفاة عراة جائعين ومصدومين تاركين خلفهم بيوتاً إحترقت وأراضٍ نهبت وأحلاماً دفنت تحت ركام الحرب واليوم وبحسب شهادات ومصادر من داخل تلك المعسكرات فإن آلاف الأسر لم تصلها مساعدات إنسانية أو مواد غذائية منتظمة منذ أشهر طويلة فيما تعاني أعداد كبيرة من نقص حاد في الغذاء والدواء ومياه الشرب والرعاية الصحية في ظل غياب شبه كامل للاستجابة الإنسانية المنتظمة بل إن مدناً حدودية مثل الطينة التي استقبلت أعداداً ضخمة من النازحين أصبحت هي الأخرى عاجزة عن تحمل الأعباء المتزايدة سواء من حيث توفير الأسواق أو المواد الغذائية أو الأدوية أو الخدمات الأساسية لكن المفارقة الأكثر إيلاماً بل والصدمة الأخلاقية والسياسية الحقيقية تتمثل في أن القيادات المسلحة التي تتحدث باسم دارفور وتزعم تمثيل أهلها لم تظهر ذات الحماس أو القدرة أو الإمكانات عندما تعلق الأمر بإنقاذ المدنيين الجوعى والمرضى فلم نر حملات ضغط حقيقية على المنظمات الدولية والجهات المانحة ولم نسمع عن تعبئة جادة للإمكانات اللوجستية والعسكرية من أجل فتح ممرات إنسانية أو إيصال الغذاء والدواء للمحاصرين واللاجئين

وبحسب ما أقر به حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي فقد تم إرسال أكثر من مائتي عربة دفع رباعي لتأمين خروج النور القبة وقبل ذلك جرى تسخير إمكانات ضخمة لتأمين خروج الشيخ موسى هلال وهذه الجهود من حيث المبدأ لسنا ضدها لأن حماية الأرواح مطلوبة أياً كانت الخلفيات لكن السؤال المشروع الذي يفرض نفسه بإلحاح هو إذا كانت هذه الحركات تمتلك القدرة اللوجستية والعسكرية لتسيير هذا العدد الكبير من المركبات وسط مناطق الحرب فلماذا عجزت طوال الأشهر الماضية عن تأمين ممرات إنسانية لإيصال الغذاء والدواء للأطفال والنساء وكبار السن في معسكرات النزوح واللجوء؟ ولماذا عجزت القوى نفسها طوال فترة حصار الفاشر عن تأمين وصول الإمدادات الإنسانية إليها رغم أنها ظلت ترفع شعارات حماية الإقليم والدفاع عن أهله؟ بل إن الشهادات الواردة من داخل المدينة تحدثت عن أن بعض المقاتلين اضطروا إلى تناول (الأمباز) كغذاء يبقيهم على قيد الحياة بسبب انعدام الطعام وإذا كان هذا حال من يحملون السلاح فكيف كان حال المدنيين المحاصرين والأطفال والمرضى والنساء داخل المعسكرات وعلى الحدود؟ إن القضية هنا لا تتعلق بمجرد تقصير إداري أو إخفاق لوجستي عابر وإنما تمس طبيعة الأولويات السياسية والأخلاقية لدى بعض القيادات التي تحولت مع مرور الوقت من حركات رفعت شعارات العدالة ورفع التهميش إلى كيانات منشغلة بحسابات السلطة وتقاسم النفوذ والمحافظة على الامتيازات السياسية والعسكرية التي أفرزتها اتفاقيات التسوية وتقاسم المناصب ولهذا لم يعد كثير من الناس يقتنعون بخطاب المظلومية التقليدي الذي يرفع باسم (الهامش) و(حقوق أهل دارفور) لأن الوقائع على الأرض باتت تقول شيئاً مختلفاً تماماً فعندما يصبح تأمين شخصية نافذة أكثر أهمية من إنقاذ آلاف الأطفال المهددين بالمجاعة وعندما تحشد السيارات والسلاح والرجال لحماية النفوذ السياسي أو لإنقاذ حياة من كان سبب رئيسي فيما حدث لأهل الفاشر مثل النور القبة بينما يترك المدنيون لمواجهة الجوع والمرض والتشرد فإن من حق الناس أن يتساءلوا من الذي تمثله هذه الحركات فعلاً؟ وهل ما تزال قضية الإنسان الدارفوري في صدارة أولوياتها أم أن القضية الحقيقية أصبحت هي البقاء داخل السلطة والحفاظ على الإمتيازات السياسية والعسكرية؟

ومن المؤسف أن بعض المدافعين عن هذه القيادات يحاولون دائماً الهروب من هذه الأسئلة عبر المقارنات الدعائية والخطابات العاطفية فيشيرون مثلاً إلى أن بعض المعسكرات داخل السودان مثل معسكر طويلة تتلقى قدراً من الغذاء والدواء يجعل أوضاعها (أفضل نسبياً) مقارنة بمعسكرات اللاجئين داخل تشاد لكن مثل هذا الحديث لا يبرئ أحداً بل يكشف حجم التفاوت المأساوي في الاستجابة الإنسانية ويؤكد أن توزيع المساعدات والوصول إلى المتضررين تحكمه اختلالات خطيرة وربما إعتبارات سياسية وأمنية معقدة كما أن تحويل معاناة البشر إلى مادة للمزايدة السياسية أو إلى مقارنة بين (معسكر أفضل) و(معسكر أسوأ) يمثل سقوطاً أخلاقياً بالغ الخطورة فالمطلوب ليس أن يعيش بعض النازحين في ظروف أقل سوءاً من غيرهم وإنما أن يحصل جميع المتضررين من الحرب بلا استثناء على حقهم الكامل في الغذاء والدواء والأمان والكرامة الإنسانية إن ما يحدث اليوم في معسكرات اللاجئين بشرق تشاد لا ينبغي النظر إليه باعتباره أزمة إنسانية عابرة بل بوصفه إنذاراً خطيراً بمستقبل أكثر قتامة للمنطقة بأسرها فالجوع واليأس والتخلي عن البشر في البيئات الهشة لا يصنع فقط كارثة إنسانية وإنما يخلق أيضاً بيئة خصبة للتطرف والعنف والإنفجار الإجتماعي مستقبلاً والتاريخ الإفريقي مليء بالنماذج التي تحولت فيها معسكرات اللجوء الممتدة إلى بؤر غضب وعدم إستقرار عابر للحدود غذت الصراعات المسلحة وأنتجت أجيالاً كاملة نشأت في بيئات الحرمان والإقصاء واليأس ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع على عاتق المنظمات الإنسانية وحدها بل تشمل الحكومة السودانية والحركات المسلحة والمجتمع الدولي والاتحاد الإفريقي وكل من يدعي الحرص على إستقرار السودان والإقليم فحياة الناس لا يجوز أن تبقى رهينة للمساومات السياسية أو الحسابات العسكرية أو صراعات النفوذ وتقاسم السلطة

كما أن على الحكومة السودانية مهما كانت تعقيدات الحرب وتحدياتها أن تدرك أن مسؤوليتها الأخلاقية والسيادية لا تسقط عن مواطنيها بمجرد عبورهم الحدود فهؤلاء اللاجئون ليسوا أرقاماً في تقارير المنظمات الدولية وإنما مواطنون سودانيون فقدوا كل شيء تقريباً ولم يبق لهم سوى الأمل في أن يجدوا من يسمع صرخاتهم وينتصر لإنسانيتهم وعلى الحركات المسلحة أيضاً أن تراجع نفسها بصدق وشجاعة لأن أي حركة تدّعي تمثيل الناس تفقد مشروعيتها الأخلاقية حين يصبح المدنيون آخر أولوياتها فلا قيمة لأي خطاب سياسي أو عسكري إذا كان الأطفال يموتون جوعاً والنساء يفتقدن الدواء والمرضى يتركون لمواجهة الموت في خيام اللجوء والنزوح إن أهل دارفور الذين دفعوا أثمان الحرب لعقود طويلة لا يحتاجون إلى المزيد من الخطب والشعارات بل يحتاجون إلى من ينحاز لمعاناتهم فعلاً ويجعل حماية الإنسان أولوية تتقدم على حماية المواقع والمناصب والاتفاقيات السياسية

وسيظل السؤال قائماً ومؤلماً كيف استطاعت القوى المسلحة أن تجد الوقود والسيارات والرجال لتأمين خروج الشخصيات النافذة بينما عجزت طوال أشهر عن تأمين كيس دقيق أو شحنة دواء لطفل جائع أو امرأة مريضة في معسكرات اللجوء؟ ذلك سؤال لن تستطيع أي خطابات سياسية الهروب منه لأنه سؤال يطرحه الجوع نفسه وتكتبه المعاناة على وجوه آلاف المنسيين في معسكرات النزوح واللجوء

نواصل حديثنا حول الحركات المسلحة…

نواصل…

Exit mobile version