صدى الواقع: محمد مصطفى الزاكي
في البلدان التي أنهكتها الحروب، يصبح السلام مطلباً إنسانياً لا يختلف حوله اثنان، لكن الكارثة تبدأ حين يتحول شعار السلام إلى جسرٍ لعبور القوى السياسية نحو كراسي السلطة، دون الالتفات إلى الجراح المفتوحة في صدور الناس، ودون قراءة حجم الغضب المتراكم تحت رماد المدن المحروقة.. فالدعوات التي تطلقها بعض قوى «صمود» بضرورة جلوس القوات المسلحة السودانية مع مليشيات الدعم السريع على طاولة تفاوض سياسي، تبدو وكأنها محاولة للقفز فوق دماء الضحايا، وتجاوز مشاهد الخراب التي ما تزال شاهدة على واحدة من أكثر الحروب قسوة في تاريخ السودان الحديث..
هذه القوى تتحدث عن «السلام» بينما ملايين السودانيين يعيشون بين اللجوء والنزوح، وآلاف الأسر ما تزال تبحث عن المفقودين تحت أنقاض البيوت المحترقة، والنساء اللاتي تعرضن للانتهاكات يواجهن مصيراً اجتماعياً ونفسياً بالغ القسوة..
إن أي حديث عن تسوية سياسية لا يضع العدالة والمحاسبة في مقدمة الأولويات، سيبدو في نظر قطاعات واسعة من الشعب محاولة لإعادة تدوير الأزمة وليس حلها..
أخطر ما في هذه الدعوات أنها تتعامل مع الحرب باعتبارها مجرد صراع سياسي على السلطة، بينما يراها المواطن البسيط معركة وجود فرضت عليه بالقوة، ودفع ثمنها من أمنه وماله وكرامته..
إن تجاهل المزاج الشعبي ومحاولة فرض تسوية فوقية بين السلاح والسياسة، قد يفتح أبواب السودان على دورة جديدة من العنف، أكثر شراسة وتعقيداً من سابقتها.
منذ اندلاع الحرب، ظلت قوى «صمود» ترفع شعارات وقف الحرب والعودة إلى العملية السياسية، لكنها في كل مرة تتجنب الاقتراب من السؤال الجوهري: كيف يمكن بناء سلام حقيقي دون محاسبة الذين أشعلوا النار في البلاد؟ وكيف يمكن إقناع الضحايا بأن من قتل ونهب واغتصب يمكن أن يتحول فجأة إلى شريك سياسي على طاولة الحكم؟..
المتابع لتحركات هذه القوى يلاحظ أنها تنظر إلى الأزمة من زاوية سياسية ضيقة، غايتها الأساسية إعادة إنتاج السلطة المدنية بأي ثمن، حتى وإن كان ذلك عبر بوابة المليشيا المسلحة..
فبدلاً من ممارسة الضغط الأخلاقي والسياسي على الدعم السريع للاعتراف بجرائمه وتسليم قادته للعدالة، تنشغل هذه القوى بالبحث عن صيغة توافق تمنحها موقعاً داخل المشهد القادم..
المشكلة أن هذا النوع من التسويات لا يصنع استقراراً، بل يؤسس لحروب مؤجلة.
حين يشعر ملايين المتضررين أن حقوقهم قد بيعت في سوق السياسة، وأن دماء ذويهم تحولت إلى بند قابل للمساومة، فإن حالة الغبن ستتحول إلى وقود لصراعات جديدة. والتاريخ السوداني نفسه يثبت أن الاتفاقات التي تُصنع فوق جراح الناس سرعان ما تنهار أمام أول اختبار حقيقي..
كما أن الرهان على إمكانية دمج مليشيا متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة داخل المعادلة السياسية، دون تفكيك بنيتها العسكرية ومحاسبة قياداتها، يشبه محاولة إخفاء النار تحت الرماد..
فالسلاح الذي استخدم لفرض النفوذ بالقوة لن يتحول فجأة إلى أداة لبناء دولة ديمقراطية، بل سيظل تهديداً دائماً لأي سلطة مدنية مستقبلية.
تبدو بعض قوى «صمود» وكأنها لم تستوعب بعد أن المزاج الشعبي قد تغير بصورة جذرية بعد الحرب..
فقبل اندلاع القتال ربما كان بالإمكان الحديث عن تسويات سياسية مرنة، أما اليوم فإن قطاعات واسعة من السودانيين تنظر إلى الدعم السريع باعتباره قوة ارتكبت جرائم بحق المجتمع والدولة معاً..
وبالتالي فإن أي محاولة لإعادته إلى المشهد السياسي دون عدالة، ستُفسر كخيانة لمعاناة الناس وليس كخطوة نحو السلام.
الأخطر من ذلك أن أي اتفاق سياسي هش قد يخلق بيئة مثالية لظهور جماعات مقاومة جديدة، مدفوعة بالرغبة في الانتقام واسترداد الحقوق بالقوة، خاصة في ظل وجود أطراف إقليمية مستعدة لتمويل وتسليح أي مشروع يخدم مصالحها داخل السودان..
وهنا يتحول السلام المزعوم إلى مجرد هدنة قصيرة تسبق انفجاراً أكبر..
لهذا فإن الطريق نحو الاستقرار لا يمكن أن يبدأ من طاولة تقاسم السلطة، بل من بوابة العدالة أولاً، ومن الاعتراف بحجم الكارثة التي تعرض لها الشعب السوداني، ثم بناء مشروع وطني جديد لا مكان فيه للمليشيات والسلاح خارج إطار الدولة.
السلام الحقيقي لا يولد من رحم الصفقات السياسية، ولا يُكتب بالحبر فوق أوراق الفنادق المكيفة بينما ما تزال رائحة الدم والدخان تملأ القرى والمدن المنكوبة..
فالسلام الذي يتجاوز معاناة الضحايا ويتجاهل مطلب العدالة، لن يكون سوى هدنة هشة قابلة للانفجار عند أول منعطف سياسي أو أمني..
لذلك فإن المطلوب اليوم ليس استعجال التسويات لإعادة بعض القوى إلى القصر الجمهوري، وإنما العمل على معالجة جذور الأزمة بصورة تضمن عدم تكرار المأساة..
وهذا لن يتحقق إلا عبر تفكيك المشروع العسكري للمليشيا، ومحاسبة القيادات المتورطة في جرائم الحرب، وإنصاف المتضررين ورد الاعتبار لهم، حتى يشعر المواطن بأن الدولة لم تساوم على حقوقه..
وفي هذا السياق، تبدو مسؤولية القوات المسلحة مضاعفة في مواصلة عملياتها العسكرية نحو دارفور لتحرير المدنيين الذين يعيشون تحت سطوة المليشيا، وقطع الطريق أمام أي محاولة لتحويل الإقليم إلى منصة لإعادة إنتاج الحرب..
فكل تقدم ميداني يعيد جزءاً من الثقة للناس، ويخفف من حالة الاحتقان والغضب التي تتوسع يوماً بعد آخر.
إن السودان لن يستقر بسلام مفروض من الخارج أو بتوافقات فوقية معزولة عن نبض الشارع، بل يستقر حين يشعر المظلوم أن العدالة قد أخذت مجراها، وحين يدرك الجميع أن الدولة لا تُدار بالبندقية، وأن ما أُخذ بالقوة لا يمكن أن يتحول إلى حق سياسي دائم.



