كتب: خزامي مبارك

Khouzamimubarak@gmail.com

 

تُظهر لنا شبكات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، بين كل حين وآخر، حملات إعلامية مجهولة المصدر تدّعي محاربة الأفروسنتريزم، واصفةً إياها بأنها محاولة لسرقة حضارة وادي النيل، وأنها مخطط صهيوني خبيث يستهدف تفكيك دول شمال أفريقيا من أجل تمكين الشعوب السوداء من أفريقيا جنوب الصحراء، تارةً أخرى. ولعل المسألة مثيرة للغرابة والتأمل في نفس الوقت، كونها تصدر من أشخاص ينتمون جغرافياً وثقافياً لشعوب أفريقية سوداء، إضافة إلى أنهم ليسوا بشعوب أوروبية بيضاء، مما يجعلنا لا نملك وصفاً مناسباً لمثل هذا الرفض سوى أنه نوع من أنواع جنون الارتياب.

وهو مرض عقلي تعرفه قواميس العلوم النفسية: “جنون الارتياب، أو ما يعرف بالبارانويا (Paranoia)، باعتباره حالة نفسية تتسم بالشك والريبة غير المبررة تجاه الآخرين. الأشخاص الذين يعانون من البارانويا يكون لديهم اعتقاد ثابت بأن الآخرين يحاولون إيذاءهم أو يتآمرون ضدهم، حتى بدون وجود دليل يدعم هذه الأفكار، وهي نوع من التفكير يمكن أن يؤثر بشكل كبير على حياة الشخص الاجتماعية والمهنية. ويمكن أن تكون البارانويا جزءاً من اضطرابات نفسية أخرى، مثل الفصام أو اضطراب الشخصية البارانويدية”.

من خلال التعريف أعلاه يظهر بصورة واضحة وجه الشبه بين هذا المرض ورافضي الأفروسنتريزم، فجميعهم لا يملكون مبررات عقلانية لخوفهم سوى الاتهام والنفور، إلا أن صاحب البارانويا يرفض الآخرين لدواعٍ مرضية بحتة، أما الرافض لفكرة المركزية الأفريقية فيرفض لسبب أيديولوجي بحت، فالأيديولوجيا نفسها حالة من حالات الجنون، كونها تزيف الواقع. واستخدامي فكرة جنون الارتياب في هذا السياق هي استخدام مجازي ليس إلا، ولم يكون قصدي بأنهم فعلاً مصابين بهذا المرض حمانا الله وإياكم كما أنني لا ادعو إلي المركزية الأفريقية بقدرة ماهي محاولة لاعطائه حقه في وسط كل هذه المأساة.

تصاحب هذا الهجوم غير المبرر حالة من الخلط الواسع بين مفاهيم الأفروسنتريزم والزنوجة والأفروعمومية وغيرها من المكتسبات الأدبية والفكرية والسياسية التي أُنتجت في سياقات التحرر الوطني ومناهضة الاستعمار والعبودية في القارة والشتات.

فهناك اختلاف كبير بين هذه التيارات والأطروحات والمشاريع، وإن كانت هناك لقاءات عديدة بينها.

المركزية الأفريقية هي نموذج للتفكير (Afrocentric Paradigm)، ظهرت في فكر الأستاذة بجامعة تمبل للدراسات الأفروأمريكية أما مازاما، وقد سبقه في التأطير لهذا الاتجاه الناشط الأفروعمومي والأكاديمي المعروف مليفي كي أسانتي في أواخر السبعينيات، ومن ثم أصدر كتابه “المركزية الأفريقية: نظرية في التغير الاجتماعي” في بداية الثمانينيات.

ومن الصعوبة بمكان وضع تعريف معرب جامع مانع لفكر المركزية الأفريقية، ولكنه طريقة في التفكير تهدف إلى استعادة الإنسانية المسلوبة للشعوب التي عاشت تجربة الاستعمار والعبودية، سواء كانوا في آسيا أو أفريقيا أو الكاريبي، حيث تفترض أن نظرة هذه الشعوب للعالم ولأنفسهم قد تغيرت بفعل الاستعمار.

حيث يتساءل مليفي كي أسانتي: “ماذا سيفعل الأفارقة إن لم يكن هناك أناس بيض؟ بمعنى: ماذا ستكون الاستجابة الطبيعية التي يمكن أن تحدث في العلاقات والمواقف تجاه البيئة، وأنماط القرابة، وتفضيلات اللون، ونوع الدين، والنقاط المرجعية التاريخية بالنسبة للأفارقة إذا لم يكن هناك استعمار أو استرقاق؟”.

هذا السؤال يفتح باباً جديداً ومهماً من أبواب التفكير الثوري، وهو أن الأفارقة وغيرهم من الذين عاشوا تجارب الاضطهاد الممأسس قد سُلبوا ذواتهم وإنسانيتهم حتى أصبحوا أشياء تابعة للتمركز الأوروبي، الذي صاغ تجاربهم وكتب تاريخهم وفق أهوائه، وبالتالي أصبحت إعادتها إلى موقع الفعل، وكأشخاص وشعوب لهم مكانتهم، مسألة لا بد منها.

ويقول مليفي كي أسانتي: “يعرف الباحث أو الممارس الآفروسنتريست، المنتمي للمركزية الأفريقية، أن إحدى الطرق للتعبير عن المركزية الأفريقية تسمى الترسيم (Marking). متى ما رسم الشخص حدوداً ثقافية حول مساحة ثقافية معينة في وقت إنساني ما، فإن هذا يسمى بالترسيم (Marking). قد يتم ذلك من خلال إعلان رمز معين، أو إنشاء رابطة خاصة، أو الاستشهاد بالأبطال الشخصيين للتاريخ والثقافة الأفريقية. وراء الاستشهاد بالمفكرين الثوريين في تاريخنا، أي وراء أميلكار كابرال وفرانز فانون ومالكوم إكس ونكروما، يجب أن نكون على استعداد للعمل على تقديم تفسيرنا بما يحمل مصلحة السود، أي السود كسكان مضطهدين تاريخياً. هذه هي الضرورة الأساسية للنهوض بالعملية السياسية”.

وهذا ما يبرر الاعتزاز الكبير لرواد المركزية الأفريقية بالحضارات الأفريقية السوداء في وادي النيل وغرب أفريقيا وغيرها.

وعموماً، فالمركزية الأفريقية هي منهج لدراسة الظواهر، وطريقة في التفكير، وشكل من أشكال النقد الثقافي التي تنزع عن المركزية الأوروبية بنيتها المهيمنة وتزحزح مكانتها المؤسطرة في عقول شعوب الكوكب، عبر فحص خطاباتها وعلاقات السلطة والأقنعة المخفية وراءها.

وحتى لا يقع اللبس، فهناك اتجاه آخر أيضاً يناهض المركزية الأوروبية، يعرف بما بعد الحداثة، قام فكره على تعرية تجربة الحداثة الغربية وفحصها عبر النقد، وتمثل رواده في بعض المنتمين لما يعرف بالنظرية النقدية “مدرسة فرانكفورت”، وآخرين من المشتغلين في الأدب وفلسفة اللغة في السياق الأوروبي.

ولكن تختلف هذه المدرسة اختلافاً جذرياً مع فكر المركزية الأفريقية، فهي تعمل على تفكيك كل شيء، وتنحو نحو الفردية اللامتناهية التي تنكر كل شيء، بما في ذلك فكرة الذات، أما الأفروسنتريزم فيضع الاعتبار للذوات ومكانتها في الفضاء والتاريخ.

أما الزنوجة التي يتم الحديث عنها عادة باعتبارها المركزية الأفريقية، فهي شيء مختلف تماماً، رغم أنها لعبت دوراً كبيراً في الدفع بميلاد حركة المركزية الأفريقية.

فالزنوجة موطنها الأساسي عالم الأدب بأشكاله المختلفة، وقد ولدت في عدة سياقات مكانية وزمانية مختلفة، كلها مرتبطة بمناهضة الاستعمار والعبودية، خاصة في العالم الفرانكفوني الذي مثله كل من إيمي سيزير وسيدار سنغور وآخرين، والفضاء الأمريكي الذي أخذ تيار مدرسة هارلم الباع الأكبر فيه.

حيث نشأت في عشرينيات القرن العشرين مع ازدهار الحياة الفكرية والإبداعية داخل المجتمعات الأفروأمريكية في مناطق الشمال والغرب الأوسط من الولايات المتحدة، لكن ذلك لم يظهر في أي مكان بقدر ما ظهر في حي هارلم.

فقد كان هذا الحي الواقع في مدينة New York City، رغم أن مساحته لا تتجاوز ثلاثة أميال مربعة، يعج بالفنانين والمفكرين والكتاب والموسيقيين السود. كما ساهمت المؤسسات التجارية المملوكة للسود — من الصحف ودور النشر وشركات الموسيقى إلى النوادي الليلية والكباريهات والمسارح — في تغذية المشهد الثقافي المزدهر في الحي.

ومثل هذا التيار الشاعر المعروف لانغستون هيوز. وقد عملت هذه المدرسة على تحدي التحيزات الإثنية والعنصرية السائدة آنذاك عن طريق الاعتزاز والتفاخر بالسواد والزنوجة، باعتبارهما سمتين تم تقزيمهما واستهدافهما داخل المجتمعات الأمريكية.

والجدير بالذكر هنا أن هذه المدرسة، على الرغم من ميلادها داخل مجتمعات السود في أمريكا، إلا أنها لم تنسَ ولم تتجاهل بقية الشعوب المضطهدة، ومن النادر أن تجد حديثاً لأحد روادها دون أن يذكر آسيا وأفريقيا معاً باعتبارهما تعيشان نفس المصير، ويتجلى ذلك بوضوح في محاضرة في السبعينيات لريتشارد رايت، أحد رواد هذا التيار، بعنوان: “ردود الفعل السيكولوجية لدى الشعوب المضطهدة”.

أما تجربة إيمي سيزير فهي الأكثر غنىً والأكثر أثراً، ولا غرابة في ذلك، كونها ألهمت المناضل والمفكر فرانز فانون وعدداً من قادة التحرر في القارة والشتات. ويمثل كتابه “خطاب عن الاستعمار” تراثاً تحررياً لا غنى عنه.

والأهم من ذلك أن تجربة الزنوجة بأشكالها المختلفة لم تكن منغلقة في الإثنية الضيقة، ولا في شكل من أشكال الخطابات العرقية، بل سعت إلى مجابهتها والنضال ضدها، رغم ما اعترتها من مشكلات وهفوات.

وتختلف كل هذه التيارات والأطروحات عن التيار الأفروعمومي الكبير، فهي أشمل وأكبر، وما هذه المدارس إلا روافد لنهر واسع تمتد جذوره إلى تجارب وثورات عديدة.

يعرفه قصي همرور بأنه: “حركة وعي نقدي بالواقع، وعلى وفق ذلك الوعي”، تشمل حركات اجتماعية ومدارس سياسية وفكرية واحتجاجات وتمردات منذ تجارب سفن الرقيق مروراً بالاستعمار بأشكاله القديمة والجديدة.

وهي حركة إنسانية تعمل على رفع الظلم عن كل المضطهدين، سواء كانوا أفارقة أو هنوداً أو غيرهم.

ولكن لماذا، يا ترى، يتم مهاجمة أي دعوة لكل من هذه الاتجاهات؟

رغم أن الأسباب عديدة، إلا أن أبرزها يتمثل في السبب الأيديولوجي الذي يتمثل في غالبية سكان شمال الصحراء الذين عاشوا تناقضات الهوية، ما بين كونهم شعوباً أفريقية سوداء وما بين كونهم شعوباً عربية عاربة، وهي حالة تشظٍ مأساوية قديمة زاد من سطوتها الاستعمار الأوروبي ورسخها.

فأصبحت لدينا شعوب أفريقية سوداء تعيش في قارة أفريقيا، ولكن أشواقها وأحلامها نحو العروبة.

أما السبب الثاني، فيتمثل في وراثتهم لأنماط التفكير الأوروبي تجاه أفريقيا والأفارقة، لذلك تجد أكثرهم يتحدث عن حضارات وادي النيل باعتبارها حضارات من صنع البيض، وهي نفس لغة بعض الأكاديميات الغربية التي درست الحضارة المصرية.

بل نجد حججاً طبق الأصل لتلك التي وُصفت بها أبحاث الشيخ أنتا ديوب عندما تحدث عن حضارات وادي النيل وأثبت أنها حضارات سوداء.

كل هذه العوامل ولدت خوفاً مرضياً وحالة من الذعر تجاه كل ما هو أفريقي، لا يمكن وصفها إلا بأنها جنون الارتياب.

 

هوامش:

_دفاتر البانا آف (4)/المركزية الأفريقية Afrocentricity/بواسطة:مليفي كي أسانتي، ترجمة أبكر آدم إسماعيل

_نماذج من الأدب الزنجي الأمريكي علي المك

_لقاء على شبكة عاين مع قصي همرور عن الأفروعمومية.

خطاب عن الاستعمار، إيمي سيزير

Exit mobile version