بقلم: عرفة عثمان

في تاريخ الأمم، تظهر شخصيات ترتبط أسماؤها بلحظات التحول الكبرى، ليس لأنها امتلكت السلطة فحسب، وإنما لأنها أدركت كيف يمكن توظيف الموارد الوطنية لخدمة مستقبل الشعوب. وفي السودان، حيث تتعاظم التحديات الاقتصادية وتتزايد الحاجة إلى بناء مصادر مستدامة للدخل القومي، برز اسم نور الدائم طه كواحد من الوجوه التي وضعت قطاع المعادن في قلب مشروع النهوض الاقتصادي.

فالسودان ليس بلداً فقيراً بالموارد، بل هو من أغنى الدول الإفريقية بالثروات المعدنية الكامنة تحت أرضه. غير أن التحدي الحقيقي لم يكن يوماً في وجود الموارد، بل في كيفية إدارتها وتحويلها إلى قوة اقتصادية قادرة على صناعة الاستقرار والتنمية. ومن هنا جاءت أهمية الدور الذي اضطلع به وزير المعادن نور الدائم طه خلال واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخ البلاد.

منذ توليه المسؤولية، لم ينظر إلى الذهب باعتباره مجرد سلعة للتصدير، بل باعتباره مدخلاً لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة. لذلك سعى إلى تطوير القطاع المعدني، وتشجيع الاستثمارات، ومكافحة التهريب، وتعزيز دور الدولة في الاستفادة من عائدات الموارد الطبيعية لصالح المواطنين.

لكن ما يميز تجربة نور الدائم طه ليس الجانب الإداري وحده، بل إدراكه المبكر لأهمية الدبلوماسية الاقتصادية في عالم أصبحت فيه الاستثمارات والتكنولوجيا والشراكات الدولية جزءاً أساسياً من معادلة التنمية. لذلك حمل ملف المعادن السوداني إلى المحافل الدولية، واضعاً السودان على خارطة الاهتمام العالمي بقطاع التعدين.

وفي زيارته إلى جمهورية الصين الشعبية، إحدى أكبر القوى الاقتصادية والصناعية في العالم، نجح في فتح آفاق جديدة للتعاون والشراكات الاستثمارية. لم تكن الزيارة مجرد مشاركة بروتوكولية في مؤتمر دولي، بل كانت رسالة واضحة مفادها أن السودان يمتلك من الإمكانات ما يؤهله ليكون شريكاً اقتصادياً مهماً في قطاع التعدين العالمي.

وقد شهدت تلك الزيارة لقاءات رفيعة المستوى مع مسؤولين وخبراء ومؤسسات متخصصة، ناقشت فرص الاستثمار ونقل التكنولوجيا وتطوير البنية الفنية لقطاع التعدين السوداني. كما أتاحت الفرصة لعرض الإمكانات المعدنية الهائلة التي يتمتع بها السودان أمام كبرى الشركات العالمية الباحثة عن فرص استثمارية واعدة في إفريقيا.

ولم تتوقف جهوده عند الصين، بل امتدت إلى عدد من المحافل الإقليمية والدولية، حيث عمل على بناء جسور التعاون مع الدول والمؤسسات المعنية بالتعدين والاستثمار، واضعاً نصب عينيه هدفاً استراتيجياً يتمثل في تحويل السودان من دولة مصدرة للمواد الخام إلى دولة قادرة على خلق قيمة مضافة من مواردها الطبيعية.

إن أهمية هذه الجهود لا تكمن فقط في جذب رؤوس الأموال، بل في تعزيز مكانة السودان الاقتصادية وإعادة بناء الثقة في قدراته وإمكاناته. فالدول لا تُقاس بثرواتها الطبيعية وحدها، وإنما بقدرتها على إدارة تلك الثروات وتحويلها إلى مشاريع تنموية تعود بالنفع على مواطنيها.

ورغم ما يواجهه السودان من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، فإن قطاع المعادن يظل واحداً من أكثر القطاعات قدرة على إحداث الفارق إذا ما توفرت له الرؤية والإدارة الرشيدة والشراكات الفاعلة. وفي هذا الإطار، قدم نور الدائم طه نموذجاً لمسؤول سعى إلى توظيف الموارد الوطنية والعلاقات الدولية لخدمة الاقتصاد السوداني وفتح آفاق جديدة أمام التنمية والاستثمار.

إن المستقبل الذي يحلم به السودانيون لن يُبنى بالشعارات، وإنما بالعمل الجاد واستثمار الإمكانات المتاحة. وعندما تتحول الثروة المعدنية من مجرد مورد طبيعي إلى مشروع وطني متكامل، فإنها تصبح جسراً نحو الاستقرار والازدهار. وفي هذه المسيرة، يظل اسم نور الدائم طه مرتبطاً بجهد وطني يسعى إلى أن يجعل من معادن السودان قوةً لبناء الحاضر وصناعة المستقبل.

Exit mobile version