بقلم: عرفة عثمان

يقول المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة: «إن الإنسان لا يصنع التاريخ إلا عندما يتحول من مجرد متفرج على الأحداث إلى فاعل فيها». وتبدو هذه العبارة قريبة من مسيرة عدد من الشخصيات السودانية التي انتقلت من مواقع النضال السياسي والعسكري إلى مواقع صناعة القرار وإدارة الدولة. ومن بين تلك الشخصيات يبرز اسم السفير محمد بشير أبو نمو الذي ارتبطت رحلته بقضايا دارفور والسلام والتحول السياسي، قبل أن ينتقل إلى العمل التنفيذي ثم الدبلوماسي ممثلاً للسودان في مرحلة دقيقة من تاريخه.

بدأ أبو نمو رحلته في إطار تجربة حركة جيش تحرير السودان التي نشأت في إقليم دارفور وسط مطالب سياسية وتنموية رفعتها قطاعات واسعة من سكان الإقليم. وخلال سنوات العمل السياسي والكفاحي، برز كأحد القيادات التي دافعت عن قضايا الهامش وحق المجتمعات المتأثرة بالحروب في المشاركة العادلة في السلطة والثروة والتنمية.

ومع تطور الأحداث السياسية في السودان، أصبح من الشخصيات الفاعلة في مسار السلام الذي قاد إلى توقيع اتفاق جوبا للسلام، وهو الاتفاق الذي فتح الباب أمام مشاركة الحركات المسلحة في مؤسسات الحكم الانتقالي، وأوجد واقعاً سياسياً جديداً انتقل فيه عدد من قادة الحركات من ميادين الكفاح إلى مواقع المسؤولية التنفيذية.

تجربة وزارة المعادن

عندما تم تعيين محمد بشير أبو نمو وزيراً للمعادن في حكومة الفترة الانتقالية، وجد نفسه أمام تحديات مختلفة تتعلق بإدارة واحد من أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد. وكان يدرك أن نجاح أي مؤسسة حكومية يعتمد على المهنية والعدالة أكثر من الانتماءات السياسية، لذلك أطلق عبارته التي ظلت عالقة في أذهان العاملين بالوزارة عندما قال: “بيني وبينكم العمل فقط، ولا يهمني أن كنت شيوعياً أو كوزاً أو غيره”.

مثلت تلك العبارة رسالة واضحة بأن المرحلة الجديدة يجب أن تقوم على الكفاءة والإنجاز بعيداً عن الاستقطاب السياسي. وخلال فترة توليه المنصب شهد قطاع المعادن حراكاً ملحوظاً، حيث عمل على دعم المؤسسات التابعة للوزارة وتعزيز دورها في خدمة الاقتصاد الوطني.

ويرى كثير من العاملين بالقطاع أن تلك الفترة شهدت اهتماماً بإعادة الاستقرار المؤسسي، من خلال معالجة أوضاع بعض العاملين وإعادة عدد من المفصولين بعد مراجعة ملفاتهم. كما حظيت مؤسسات مثل الشركة السودانية للموارد المعدنية والهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية وشركتي أرياب وسودامين ومصفاة الذهب بدعم إداري ومؤسسي ساهم في تعزيز أدائها.

وفي الجانب الاستثماري، سعى أبو نمو إلى إعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية مع عدد من الدول الصديقة، وفتح قنوات للتعاون في قطاع التعدين مع دول مثل روسيا والصين وتركيا وغيرها، انطلاقاً من قناعته بأن قطاع المعادن يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للاقتصاد السوداني.

الحرب وملفات التفاوض

مع اندلاع الحرب في السودان، برز أبو نمو في عدد من الملفات السياسية والدبلوماسية المهمة. وبحكم موقعه الوزاري وخبرته السياسية، شارك في جهود التشاور والتنسيق المتعلقة بمسارات التفاوض الهادفة إلى إنهاء الحرب.

وفي أغسطس 2024 تولى رئاسة وفد حكومة السودان إلى مدينة جدة للمشاركة في مشاورات مع الإدارة الأمريكية بشأن الدعوة المقدمة لحضور مفاوضات جنيف الخاصة بوقف إطلاق النار.

وأصبحت تلك المشاورات واحدة من أبرز المحطات السياسية في تلك المرحلة، حيث أوصى الوفد بعدم المشاركة في مباحثات جنيف، وهو الموقف الذي تبنته الحكومة السودانية لاحقاً بصورة رسمية.

وفي تصريحات صحفية أوضح أبو نمو أن القرار لم يكن قراراً فردياً، بل جاء نتيجة تقييم جماعي شارك فيه فريق متكامل ضم ضباطاً من القوات المسلحة ودبلوماسيين من وزارة الخارجية ومسؤولين من جهاز المخابرات العامة ومستشارين قانونيين من وزارة العدل.

كما انتقد تعدد المنابر والمبادرات الخارجية المتعلقة بالأزمة السودانية، معتبراً أن كثرة التدخلات الدولية والإقليمية تضعف فرص الوصول إلى عملية تفاوضية فعالة، وأن نجاح أي مبادرة يتطلب احترام سيادة السودان ووحدة مرجعية التفاوض.

مواقف وطنية ودعم مجتمعي

إلى جانب أدواره السياسية والتنفيذية، ارتبط اسم أبو نمو بعدد من المبادرات الداعمة للمجتمع والقوات النظامية خلال فترة الحرب. فقد شارك في دعم المصابين من القوات المسلحة والقوات المشتركة والأجهزة النظامية الأخرى، كما ساند عدداً من المبادرات المجتمعية والشعبية في ولايات مختلفة.

ويرى مقربون منه أن هذه الجهود جاءت امتداداً لقناعته بأن المسؤولية الوطنية لا تقتصر على إدارة الملفات الحكومية، وإنما تشمل الوقوف إلى جانب المواطنين في أوقات الأزمات والتحديات.

الانتقال إلى السلك الدبلوماسي

ومع نهاية عام 2025 دخل أبو نمو مرحلة جديدة في مسيرته العامة. ففي ديسمبر أصدر رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس قراراً بتعيينه سفيراً بوزارة الخارجية والتعاون الدولي، لينتقل رسمياً من العمل التنفيذي والسياسي إلى العمل الدبلوماسي.

وعقب صدور القرار، أعلن أبو نمو عبر صفحته على فيسبوك تلقيه خطاب التعيين، معرباً عن شكره وتقديره لرئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء كامل إدريس، كما توجه بالشكر إلى حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي على الثقة التي منحت له.

وقال في رسالته إنه يتطلع إلى خدمة السودان من موقعه الجديد والعمل على حماية مصالحه والدفاع عن قضاياه في المحافل الإقليمية والدولية، متمنياً التوفيق في أداء هذه المهمة الوطنية.

سفيراً لدى رواندا

وفي أبريل الماضي تم اعتماد محمد بشير أبو نمو سفيراً لجمهورية السودان لدى رواندا، ليبدأ بذلك فصلاً جديداً من مسيرته المهنية والسياسية.

ويأتي هذا التكليف بعد سنوات من العمل في ملفات السلام والتفاوض والإدارة الحكومية، وهي خبرات تمنحه رصيداً مهماً في المجال الدبلوماسي. كما أن معرفته بتعقيدات المشهد السوداني وعلاقاته الواسعة على المستويين الإقليمي والدولي يمكن أن تسهم في تعزيز العلاقات الثنائية بين السودان ورواندا وخدمة المصالح المشتركة بين البلدين.

ويرى كثير من المتابعين أن أبو نمو يمتلك المقومات التي تؤهله للنجاح في مهمته الجديدة، مستنداً إلى تجربة سياسية طويلة وقدرة على إدارة الملفات المعقدة والتعامل مع التحديات المختلفة التي واجهها خلال مسيرته العامة.

رحلة مستمرة

تمثل مسيرة محمد بشير أبو نمو نموذجاً لتحولات شهدتها الساحة السودانية خلال العقود الأخيرة؛ من الكفاح المسلح إلى السلام، ومن العمل السياسي إلى الإدارة الحكومية، ومن الوزارة إلى الدبلوماسية. وبين هذه المحطات المتعددة ظل اسمه حاضراً في عدد من الملفات الوطنية الكبرى التي شكلت ملامح مرحلة مهمة من تاريخ السودان.

واليوم، وهو يبدأ مهامه الدبلوماسية سفيراً للسودان لدى رواندا، تظل التجربة مفتوحة على آفاق جديدة، تضاف إلى سجل رجل تنقل بين ميادين متعددة، وظل حاضراً في قلب الأحداث والتحولات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.

Exit mobile version