نبض الحروف: عادلة عادل

في أوقات الحروب والأزمات تُعرف معادن الرجال، وتُقاس المواقف بالأفعال لا بالأقوال. وفي الوقت الذي كانت فيه مدينة الفاشر تواجه واحدة من أقسى مراحلها الإنسانية، ظهر رجال اختاروا الوقوف إلى جانب المواطنين والنازحين، يحملون عنهم بعضاً من أعباء الجوع والعطش والمرض. ومن بين هؤلاء كان المهندس أيوب إبراهيم عربي، مدير منظمة تباشير للعون والتنمية.

اليوم يواجه أيوب عربي تهمة التعاون مع قوات الدعم السريع، وهو اتهام يثير العديد من التساؤلات حول المعايير التي يُحاكم بها العاملون في المجال الإنساني، وحول حدود العمل الإغاثي في مناطق النزاعات المسلحة.

بأي حق يُحتجز رجل كرّس جهده لخدمة المدنيين؟ وأين هو العدل عندما يصبح من يمد يد العون للمنكوبين موضع اتهام، بينما يجد بعض المتورطين في مآسي المواطنين طرقاً للنجاة من المساءلة؟

عندما كانت مدينة الفاشر تحت الحصار، وكانت المساعدات الإنسانية تواجه صعوبات كبيرة في الوصول إلى المحتاجين، لم يغادر أيوب عربي الميدان، بل ظل يعمل عبر منظمة تباشير للعون والتنمية لتقديم المساعدات للنازحين والمتضررين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة الجوع والعطش والخوف.

وعندما تعثر وصول الإمدادات الدوائية إلى المدينة بسبب الظروف الأمنية المعقدة، ساهمت المنظمة في توفير الأدوية والعلاجات الضرورية للمرضى، فكانت بمثابة طوق نجاة لكثير من الأسر التي لم تجد غير تلك الجهود الإنسانية لتخفيف معاناتها.

وعندما اشتدت الأزمة الغذائية داخل الفاشر وتقلصت فرص حصول النازحين على الغذاء، عملت المنظمة على تشغيل المطابخ الجماعية لتوفير الوجبات للمتضررين، في خطوة جسدت المعنى الحقيقي للعمل الإنساني الذي لا يميز بين الناس على أساس الانتماء أو الموقف السياسي.

وحينما تفاقمت أزمة المياه، وأسهمت الظروف الأمنية في تعطيل بعض مصادر الإمداد، شاركت المنظمة في تشغيل محطات المياه بالطاقة الشمسية، لتوفير الماء الذي يمثل أساس الحياة لآلاف الأسر داخل المدينة.

هذه الوقائع ليست ادعاءات عاطفية، بل هي أعمال شهد بها المواطنون والنازحون الذين لمسوا أثرها على أرض الواقع. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل أصبح تقديم الغذاء والدواء والماء للمدنيين جريمة تستوجب الاعتقال؟

إن العمل الإنساني بطبيعته يقوم على خدمة الإنسان أينما كان، دون النظر إلى هويته أو انتمائه السياسي أو العسكري. والعامل الإنساني لا يُحاسب لأنه قدم المساعدة لمحتاج، بل يُحاسب إذا خالف القانون أو استغل موقعه لتحقيق أهداف غير مشروعة، وذلك وفق إجراءات قانونية عادلة وشفافة.

لا أحد فوق القانون، وأيوب عربي نفسه ليس استثناءً من هذه القاعدة. فإذا كانت هناك مخالفات أو تجاوزات مثبتة بالأدلة، فليتم التحقيق فيها وفق القوانين واللوائح المنظمة للعمل الإنساني، وبما يضمن العدالة والشفافية وحق الدفاع. أما إطلاق الاتهامات دون تقديم ما يثبتها، فإنه يفتح الباب أمام استهداف العاملين في المجال الإنساني وإضعاف الثقة في المؤسسات التي تخدم المتضررين.

إن المجتمعات التي تحترم العدالة تميز بين المجرم ومن يسعى لإنقاذ الأرواح، وبين من يصنع المأساة ومن يحاول التخفيف من آثارها. ولذلك فإن قضية أيوب عربي ليست قضية شخص واحد، بل هي اختبار حقيقي لمدى التزامنا بقيم العدالة والإنصاف واحترام العمل الإنساني.

فالذين وقفوا إلى جانب الناس في ساعات الشدة يستحقون تحقيقاً عادلاً ومحاكمة عادلة إن وُجدت التهم، ويستحقون التكريم إذا ثبتت براءتهم، لأن العدالة لا تكتمل إلا عندما تُنصف المظلوم وتحاسب المخطئ وفق القانون، لا وفق الانطباعات أو الاتهامات المجردة.

ويبقى السؤال قائماً: أي قانون هذا الذي قد يحاسب الشرفاء بينما يفلت المجرمون من المساءلة؟ وأين هو العدل الذي ينتظره المواطن البسيط عندما يرى من خدموه خلف القضبان، بينما لا يزال آخرون بعيدين عن طائلة الحساب؟

هذا النص يحافظ على قوة الرأي والدفاع عن أيوب عربي، مع تجنب الجزم القانوني ببراءته أو إدانة أطراف أخرى دون أحكام قضائية.

Exit mobile version