ضل الحراز: علي منصور حسب الله

في معرض الدفاع المستمر عن قادة الحركات المسلحة يستند كثير من أنصارها إلى ما قدمته القوات المشتركة في معارك الحرب وهو جهد لا يمكن إنكاره أو التقليل من شأنه بل إننا كنا من أوائل الداعمين لهذه القوات وسنظل منحازين لهم ويشهد بذلك عدد من القادة الميدانيين الحقيقيين داخل المشتركة لا أولئك السياسيون وناشطو المنصات الإسفيرية الذين يتاجر بعضهم بدماء المقاتلين وآلام النازحين لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح هو هل أصبحت تضحيات المقاتلين مبرراً دائماً لإحتكار السلطة والثروة والمناصب؟ وهل تحول الدم الذي سال في الخنادق إلى صك إمتياز سياسي أبدي لبعض القيادات؟ إن المجهود الذي بذلته القوات المشتركة لا يمكن فصله عن الدور الكبير الذي قام به المستنفرون والمتطوعون الذين لا ينتمون لأي حركة مسلحة والذين قاتل كثير منهم دفاعاً عن الأرض والعرض دون إنتظار وزارة أو منصب أو مكافأة ففي المحور الجنوبي بمدينة الفاشر وفي محور حي الدرجة الأولى يعلم الجميع حجم الدور الذي لعبه هؤلاء الشباب في صد الهجمات وتحمل أعباء القتال في ظروف إنسانية بالغة القسوة لقد قاتل كثير منهم وهم يفتقدون لأبسط مقومات الحياة وبعضهم لم يكن يجد ما يسد به رمقه وحين نفد الطعام من المدينة إضطروا إلى أكل (الأمباز) ثم الجلود تحت وطأة الجوع والحصار بينما كانت الشعارات السياسية ترفع في الفنادق والمكاتب المكيفة بعيداً عن رائحة الدم والجوع والموت وتبرز السيدة رشيدة عثمان جلي مثالاً حياً لحجم التضحيات الصامتة التي قدمها المدنيون فقد كانت من أكثر من قدموا الخدمات الإنسانية لأهالي الفاشر خلال الحصار لكنها اليوم تعاني في سجون مليشيا الدعم السريع دون أن تتحرك المنظمات الدولية التي ترفع شعارات حماية العاملين في الحقل الإنساني بالجدية المطلوبة لإنقاذها أو حتى تسليط الضوء على قضيتها وفي ذات المدينة فقد الحاج إبراهيم أربعة من أبنائه شهداء بينما قدم آلاف المواطنين أبناءهم وأرزاقهم ومستقبلهم دفاعاً عن مدينتهم ومع ذلك لا أحد يتحدث اليوم عن حقوق هؤلاء الناس ولا عن مصير الجرحى والمقاتلين الفقراء الذين ترك كثير منهم لمواجهة الموت والعجز والنسيان لقد كان القائد عبد العظيم بوب من أبرز قادة الحركات الذين أولوا المستنفرين اهتماماً خاصاً لأنه كان يدرك أكثر من غيره حجم الإعتماد الميداني الحقيقي على هؤلاء الشباب لكن حتى هؤلاء ترك كثير منهم لاحقاً لمصيرهم دون رعاية أو إنصاف أو حتى إعتراف رسمي بما قدّموه وهنا تبرز الأسئلة المؤلمة التي يتهرب منها الجميع إذا كانت مساهمة القوات المشتركة تستخدم اليوم كحجة لتمسك قادة الحركات بوزاراتهم وكراسيهم ونفوذهم السياسي فأين ذهبت حقوق أولئك المستنفرين الذين قاتلوا وماتوا وأصيبوا؟

هل نالوا مرتبات تحفظ كرامتهم؟ هل وجد الجرحى العلاج والرعاية؟ هل التفتت إليهم القيادات التي تتحدث اليوم باسم (الهامش) و(القضية ؟) أم أن القضية نفسها تحولت إلى سلّم للصعود نحو السلطة والثروة؟

وفي مدينة الطينة حين جرت عمليات إخلاء لبعض المصابين من منسوبي الحركات يحق للناس أن يتساءلوا بشفافية وعدالة هل كانت معايير الإخلاء تقوم على حجم الإصابة والمشاركة الحقيقية في المعركة؟ أم كانت تدار بمنطق (زولي وزولك) والنفوذ والقرابة والانتماء التنظيمي؟

هذه الأسئلة ليست إستهدافاً لأحد وليست تقليلاً من تضحيات المقاتلين الحقيقيين لكنها محاولة ضرورية لكشف الخلل الأخلاقي والسياسي الذي أصاب كثيراً من الحركات المسلحة بعد سنوات طويلة من الحرب والسلطة والمال لقد بدأت بعض هذه الحركات بمطالب عادلة تتعلق بالتهميش والعدالة والتنمية وتقاسم السلطة والثروة لكن قياداتها إنشغلت مع مرور الوقت بإعادة إنتاج ذات أمراض المركز التي كانوا يهاجمونها فتحولت شعارات العدالة إلى محاصصات وتحولت الثورة إلى وظائف وتحوّل بعض القادة إلى طبقة سياسية مغلقة لا تختلف كثيراً عمّن كانوا يصفونهم بالطغاة والفاسدين بل إن الأخطر من ذلك أن أي محاولة للنقد أو المراجعة تقابل فوراً بتهم التخوين أو العنصرية أو معاداة دارفور وكأن دارفور أصبحت ملكية خاصة لبعض الحركات أو كأن الحديث عن الفساد والمحسوبية داخلها محرم لا يجوز الإقتراب منه وهنا تكمن المأساة الحقيقية فالقضية العادلة لا يفسدها أعداؤها بقدر ما يفسدها المنتفعون باسمها وحين تتحول المعاناة الإنسانية إلى مشروع إستثمار سياسي يصبح الضحايا مجرد أرقام تستخدم في البيانات والخطابات بينما تدار الصفقات وتقاسم الامتيازات وتنشأ شركات التعدين ويتحول إلى البعض إلى نظام الإستثمارات العائلية في الغرف المغلقة إن دارفور أكبر من الحركات المسلحة وأكبر من قادتها وأكبر من مشاريع الإستثمار السياسي في معاناة أهلها فدارفور ليست ملكاً لأحد وليست تفويضاً مفتوحاً لمن يحمل السلاح وليست بطاقة عبور أبدية نحو السلطة والثروة والنفوذ

ومن حق أهل دارفور بل من واجبهم أن يسألوا ماذا تحقق للناس بعد كل هذه السنوات؟ وأين ذهبت الأموال والمناصب والإمتيازات؟

ولماذا ظل المواطن البسيط والنازح والمقاتل الفقير يدفع الثمن وحده بينما يعيش بعض القادة في الفنادق والمكاتب المكيفة ويتحدثون بإسم المعاناة التي لم يعودوا يشعرون بها؟ إن أخطر ما تواجهه دارفور اليوم ليس فقط الحرب بل إحتكار الحديث بإسمها وتحويل قضيتها إلى وسيلة لإسكات النقد وتبرير الفشل وإدامة النفوذ وفي الحلقات القادمة سنحاول بالأدلة والوقائع والمعلومات التي يصعب نفيها فتح ملفات ظلت بعيدة عن النقاش العلني تحت عنوان (حين تحولت الحركات المسلحة إلى عائلات للمال والسلطة والمحسوبية) وهي سلسلة جديدة من عشر حلقات أو أكثر نضع فيها الوقائع أمام الرأي العام بلا تجميل ولا مزايدة إيماناً بأن النقد الصادق ليس خيانة وأن كشف الفساد لا يعني الوقوف ضد قضايا الهامش بل هو دفاع حقيقي عنها حتى لا تتحول إلى تجارة باسم الدم والمعاناة فالسكوت على الخطأ لا يصنع عدالة

وتقديس القيادات لا يبني وطناً والقضية التي تخشى النقد… تبدأ في فقدان مشروعيتها الأخلاقية

Exit mobile version