كتب: خزامي مبارك

قد يبدو التفكير في مسألة إعادة الإعمار للوهلة الأولى أمراً بسيطاً؛ وكأننا إزاء عملية بناء لما تهدّم بسبب الحرب أو الكوارث، ثم إعادته إلى ما كان عليه. غير أن هذه النظرة تختزل الموضوع في بعده المادي فقط، فيصبح الأمر لا يتجاوز تشييد المنازل والطرق والجسور والمنشآت العامة. والحقيقة أن إعادة الإعمار، خاصة في المجتمعات التي شهدت تحولات كبرى مثل الثورات والانهيارات المؤسية إضافة إلى الحروب الأهلية وأخيراً حرب القوى الإمبريالية الجارية الآن، كل هذه الأشياء مجتمعة تجعل من العملية أكثر تعقيداً من مجرد إعادة بناء الحجارة.

وتزداد المسألة تعقيداً عندما ننظر إليها من زاوية الدولة الوطنية وبنية السلطة. فالدولة كما هو معروف تتجاوز كونها مؤسسات إدارية أو مرافق خدمية، فهي الإطار الذي تنتظم داخله علاقات القوة والمصالح، وعملية تداول السلطة رأسياً وأفقياً، تفويضاً وتخويلاً، كما في صورتها الأكثر دقة تمثل المعمل الذي تتفاعل داخله مستويات السلطة المختلفة.

وعموماً الأدبيات في هذا السياق هائلة ومتعددة تختلف باختلاف الحقول التي تناولها، من السوسيولوجيا والاقتصاد والسياسة وغيرها.

أما في سياقنا السوداني فيقف مشروع الدكتور محمد جلال هاشم منهج التحليل الثقافي مشروع الدولة الوطنية وظاهرة الثورة والديموقراطية، مساهمة فريدة ومتفردة في مناقشة هذا الموضوع، وتمكن أهميته في أنه يتناول ظاهرة مؤسسة الدولة الوطنية من منظور الثقافة وعملية تبلور السلطة، حيث يرى أن الدولة المعمل الذي تتم فيه تفاعلات السلطة ومن مستواها القاعدي صعوداً إلى مستواها السياسي.

وليس حديث ماكس فايبر الأكثر تداولاً عن الدولة باعتبارها هيئة بشرية تحتكر القوة المادية والمعنوية بعيداً عن هذا، فمتى ما عجزت الدولة عن عملية تنظيم السلطة فهذا يعني ضعفها.

لذلك كان مفتاح الفهم الأساسي لحرب الجنجويد الحالية (حرب القوى الإمبريالية على الدولة السودانية) في أنها تُسيّل النظام وتُنهيه، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح كلما دخلوا منطقة اختفت فيها أجهزة الدولة وأصبحت السلطة في يد الجميع، حيث كل شخص يحمل قانونه في يده، أنت في حالة وجود الدولة الوطنية تستطيع أن تذهب إلى مكان عملك دون خوف وتنوم في منزلك دون خوف لأن هناك إحساس عام بوجود سلطة مركزية منظمة بالقوانين يمكن أن تحميك إذا ما تعرضت لأي اعتداء، أما في حالة الجنجويد فإن هذه السلطة غائبة، بل إنهم أنفسهم يمثلون مصدراً من مصادر الخوف، في كونهم يحملون أدوات العنف يستخدمونها لترهيب الناس وتعذيبهم يصل الأمر إلى مرحلة باستطاعة الجنجويدي أن يأخذ أي شخص متى ما شاء ويسجنه في أي مكان يريد منزله أو مزرعته، ناهيك عن إقامتهم لأسواق النخاسة الحديثة والمتاجرة بالفتيات نهاراً جهاراً.

وهذه أبرز التمايزات بين وجود الدولة من عدمها.

ولكن قد يتساءل سائل ما علاقة هذا الحديث بموضوع إعادة الإعمار؟ الإجابة ببساطة إن إعادة الإعمار تكمن أولاً في عملية تحقيق الدولة أولاً، لأنك لا يمكن أن تفعل شيئاً يمكن تسميته إعمار دون وجود الدولة نفسها، فمثلاً من الاستحالة بمكان أن تضع السياسات العامة وترسيخ حكم القانون ومحاربة الفساد دون وجود تنظيم مركزي واحد تحتكر العنف، وبالتالي تصبح المسألة كأننا نحاول ترميم ديناصور محطم منذ مئات السنين ابتداء من فقرة عظمية واحدة، فالسلطة حالياً تتوزع في تشكيلات متعددة تتقاسمها مليشيات كثيرة تتمثل في حركات المقاومة الشعبية وحركات الكفاح المسلح وغيرها، إضافة إلى انتشار الفساد وشبكات الكارتيلات الاقتصادية، وغيرها وهذا يقود بصورة تلقائية إلى السمة الثانية المهمة من سمات الدولة الوطنية التي يجب أن تضعها عملية إعادة الإعمار في الاعتبار، وهي مسألة تقديم الخدمات، فالدولة إضافة إلى دورها في تنظيم السلطة واحتكار العنف، لها دور آخر في غاية الأهمية وهي قدرتها على توزيع الخدمات العامة، من صحة وتعليم وكهرباء وغيرها، فكلما عجزت الدولة عن تقديم هذه الخدمات هذا يعني ضعفها.

والحال يغني عن السؤال على الرغم من التضحيات الكبيرة التي قدمتها الشعوب السودانية خلال هذه الحرب في المحافظة على مكتسباتهم ومؤسساتهم نجد أن مؤسسة الدولة في نطاق وجودها عاجزة تماماً عن الإيفاء بحقوقهم، سواء كان في توفير الخدمات أو تنظيم السلطة، وهذا الوضع يقلل من ثقة الناس بأجهزتهم كما أنه يضعف من مشروعية الخطاب المناهض لحرب الإمبريالية، لأنك لا يمكن أن تقول إنني أدافع عن دولتي الوطنية ضد غزو استعماري يهدف إلى تسييلها وفي نفس الوقت تفعل أشياء هي في ذاتها تقود إلى تسييل الدولة.

وعموماً إن كان هناك جهود صادقة يجب أن تُبذل في إعادة الإعمار فلا بد لها أن تذهب في مسألة احتكار السلطة وبناء مؤسسات حقيقية تجعل من الدولة الوطنية واقعاً يمشي بين الناس.

Exit mobile version