ضل الحراز: علي منصور حسب الله

بتاريخ 16 أكتوبر 2025م أصدرت وزارة المالية والقوى العاملة بولاية وسط دارفور تفويضاً ممهوراً بتوقيع السيد محمد إسماعيل تيراب مدير عام وزارة المالية والقوى العاملة فوض بموجبه السيد أبو العز أبكر آدم عبدالله مدير مكتب الوالي مصطفى نصر الدين محمد تمبور رئيس حركة تحرير السودان قيادة تمبور لينوب عنه في التوقيع على عقد شراء عربة برادو للولاية وبموجب هذا التفويض قام السيد أبو العز أبكر آدم عبدالله بعقد اتفاق لدى مكتب الأستاذ خالد محمد الريح المحامي وموثق العقود ببورتسودان حمل التوثيق الرقم (sj1148283) بين شركة شاوه للأنشطة المتعددة المحدودة ويمثلها السيد حبيب بابكر أبكر يحي بموجب التفويض الصادر بتاريخ 21 أكتوبر 2025م وبين وزارة المالية والإقتصاد بولاية وسط دارفور ويمثلها أبو العز أبكر آدم عبدالله بموجب التفويض بالنمرة (1/1/50) الصادر بتاريخ 2025/10/21م ونص الاتفاق على أن تقوم شركة شاوه التي تعمل في مجال الأنشطة المتعددة بتوفير عدد 20 عربة لاندكروزر موديل ما بين (2012م – 2023م) للطرف الثاني (ولاية وسط دارفور) خلال فترة أقصاها ثلاثون يوماً من تاريخ التوقيع على العقد كما اتفق الطرفان على أن القيمة الكلية للعربات تبلغ مبلغ (1,200,000,000 جنيه) فقط واحد ترليون ومائتان مليون جنيه لا غير وأن قيمة العربة الواحدة تبلغ (60,000,000 جنيه) فقط ستون مليون جنيه لا غير والأخطر من ذلك أن العقد نص على توريد المبالغ إلى حساب المفوض حبيب بابكر أبكر يحي تحت رقم الحساب (4168492) ببنك الخرطوم كما التزم الطرف الثاني أي ولاية وسط دارفور بسداد نسبة 80% من قيمة العربات عند التوقيع على العقد على أن يتم سداد المتبقي بنسبة 20% عند التسليم وقد وقع على العقد كل من التجاني عبد الله محمد الطاهر والقاسم سيسي فضل سيسي كشهود لسنا هنا بصدد الجزم بوقوع جريمة فساد مالي أو الحديث عن إختلاس للمال العام فذلك دور المراجع العام والجهات الرقابية المختصة لكننا نتحدث عن مخالفات قانونية وإجرائية صارخة لا تحتاج إلى كثير عناء لإكتشافها فقانون الشراء والتعاقد واضح وصريح في أن أحكامه تطبق على مشتريات جميع أجهزة الدولة بمستويات الحكم المختلفة ولا يختلف اثنان على أن ولاية وسط دارفور إحدى تلك الجهات التي تخضع بصورة مباشرة لهذا القانون كما ينص القانون أيضاً على أن جميع المشتريات والتخلص من الأصول التي تتم عن طريق المنافسة بواسطة أجهزة الدولة تخضع لأحكامه إضافة إلى أن أي مشتريات تمول من أموال عامة حتى وإن كانت لصالح أجهزة غير حكومية فإنها تخضع كذلك للقانون نفسه أي أن المشرع السوداني تعمد إحاطة المال العام بسياج قانوني صارم يمنع العبث به أو التصرف فيه بالمزاج الشخصي أو العلاقات الخاصة أو التفاهمات المغلقة وفقاً لقانون الشراء والتعاقد يتم تشكيل لجنة مشتريات تضم رئيساً وأربعة أعضاء على الأقل ويشمل التشكيل عادة ممثلاً للإدارة العامة للشراء والتعاقد ورئيس الوحدة المالية في المنشأة المستفيدة وممثلاً للإدارة القانونية وآخر للمراجعة الداخلية إضافة إلى عضو يمثل الجهة الممولة لكن ما جرى في ولاية وسط دارفور يمثل تجاوزاً خطيراً لهذا الإطار القانوني بالكامل إذ تم تفويض شخص واحد فقط وهو وفقاً لكل المعايير القانونية لا يحق له أصلاً أن يكون اللجنة بأكملها بل إن عضويته نفسها في مثل هذا الإجراء تثير تساؤلات قانونية وإدارية كبيرة فكيف يتحول وحده إلى الآمر والناهي والموقع والمفاوض والمستلم نيابة عن مؤسسة حكومية كاملة؟ الأمر لا يقف عند هذا الحد فالقانون يضع ضوابط وإجراءات واضحة للمشتريات الحكومية تبدأ بإعلان المناقصات والعطاءات ومروراً بتقديم العروض وفق شروط معلنة وقفل المظاريف بالشمع الأحمر وتوفير تأمين مبدئي غالباً بنسبة 2% من قيمة العطاء ثم إخضاع العروض للفحص الفني والمالي والقانوني قبل الترسية لكن في هذه الصفقة لا نجد أثراً لكل تلك الإجراءات رغم أن تكلفة الشراء فاق مبلغ تريليون جنيه سوداني فلا إعلان عطاء ولا منافسة ولا لجنة ولا تقييم فني ولا مراجعة قانونية معلنة ولا ضمانات كافية ولا حتى وضوح حول معايير اختيار الشركة بل إن ولاية تعاني الحرب والانهيار الإنساني وتراجع الخدمات الأساسية تدخل في صفقة سيارات تتجاوز قيمتها تريليون جنيه سوداني بهذه البساطة المدهشة وكأن المال العام ملكية خاصة لا أموال شعب أنهكته الحرب والنزوح والجوع وانعدام الخدمات الأكثر إثارة للقلق أن العقد نص على دفع 80% من القيمة مقدماً قبل التسليم وهي نسبة ضخمة في أي معاملة تجارية عادية فما بالك حين تكون الصفقة ممولة من المال العام وفي ظل غياب كامل للشفافية والرقابة المؤسسية؟ إن القضية هنا ليست مجرد شراء سيارات بل تتعلق بعقلية كاملة تدير الدولة بعقلية الغنيمة لا بعقلية المؤسسات وهذه هي الأزمة الحقيقية التي أنتجتها اتفاقات المحاصصة السياسية التي منحت بعض الحركات المسلحة مواقع دستورية وسلطات تنفيذية ضخمة دون أن يصاحب ذلك بناء مؤسسي حقيقي أو التزام صارم بقواعد الحكم الرشيد والرقابة والمحاسبة لقد تحولت بعض هذه الحركات من شعارات العدالة والشفافية إلى ممارسات تعيد إنتاج أسوأ نماذج الفساد الإداري والسياسي بل وتضيف إليها خطورة جديدة تتمثل في الاستناد إلى القوة المسلحة والنفوذ السياسي لحماية تلك الممارسات وإسكات منتقديها ومن المؤسف أن المواطن في دارفور الذي كان يحلم بالخدمات والاستقرار والتنمية بعد اتفاق جوبا للسلام، يجد نفسه اليوم أمام سلطة تنفق المليارات على السيارات والمواكب الرسمية، بينما تعاني المعسكرات من الجوع والمرض وانعدام الدواء والتعليم ومياه الشرب إن السؤال الحقيقي الذي يجب أنه يطرح اليوم ليس فقط: هل تمت هذه الصفقة وفق القانون؟ بل أيضاً من الذي راجع هذه الإجراءات؟ ومن الذي وافق عليها؟ وأين دور وزارة المالية الاتحادية؟ وأين الأجهزة الرقابية؟ وأين ديوان المراجعة القومي؟ وكيف يسمح بتحويل أكثر من تريليون جنيه من المال العام بهذه الصورة؟

إن استمرار هذه التجاوزات دون محاسبة حقيقية يعني ببساطة أن الدولة السودانية ما تزال رهينة لثقافة النفوذ السياسي والسلاح لا لسلطة القانون والمؤسسات وسنواصل في كشف وتوثيق تجاوزات الحركات المسلحة ليس بدافع الخصومة السياسية أو الجهوية وإنما دفاعاً عن حق المواطن السوداني في دولة تحكمها القوانين لا الصفقات المغلقة وتحترم المال العام لا أن تتعامل معه باعتباره غنيمة حرب أو امتيازاً سياسياً لمن حمل السلاح.

 

Exit mobile version