صدى الواقع: محمد مصطفى الزاكي

في الحروب لا يكون الرصاص وحده هو الذي يضل طريقه، بل تضل معه العقول التي تعتقد أن فوهة البندقية قادرة على إنتاج الشرعية، وأن أصوات المدافع يمكن أن تتحول إلى برنامج سياسي يقنع الشعوب ويصنع المستقبل..

وفي السودان، حيث تتداخل المآسي مع الأحلام المجهضة، يقف المواطن البسيط حائراً أمام مشهد بالغ التناقض؛ جماعة تحمل السلاح وتخوض حرباً مدمرة ضد الدولة والمجتمع، ثم تتحدث في الوقت ذاته عن الديمقراطية والسلام والشراكة السياسية وكأن شيئاً لم يكن.

تتردد هذه المفارقة كل يوم فوق أنقاض المدن المحترقة، وفي وجوه النازحين الذين فقدوا بيوتهم وأحلامهم، وفي ذاكرة النساء اللواتي ما زلن يحملن آثار الرعب، وفي عيون الأطفال الذين تعلموا أصوات الرصاص قبل أن يتعلموا حروف الهجاء..

بينما تتسع رقعة الخراب، يخرج بعض قادة ومستشاري مليشيات الدعم السريع بخطاب سياسي يعتقد أصحابه أنه قادر على إعادة تشكيل الواقع بالكلمات، متناسين أن الشعوب لا تقيس القوى السياسية بما تقوله أمام الكاميرات، وإنما بما تفعله على الأرض..

وحين يلوح أحد مستشاري المليشيا بأن تصنيفها تنظيماً إرهابياً سيؤدي إلى استمرار الحرب، يبدو المشهد وكأنه اعتراف غير مباشر بأن السلاح أصبح وسيلة للضغط السياسي وليس أداة لتحقيق قضية وطنية..

فالحرب التي أنهكت السودان لم تبدأ بسبب قرارات المجتمع الدولي، ولن تنتهي بمجرد تغيير المواقف الخارجية، وإنما ترتبط بجذور أزمة عميقة صنعتها حسابات القوة والغلبة وأوهام فرض الإرادة بالقوة المسلحة.

إن المأساة الحقيقية ليست في الحرب وحدها، بل في الإصرار على تسويق خطاب سياسي يتناقض مع الوقائع بصورة تجعل الفجوة بين الشعار والحقيقة أكبر من أن تُردم بالكلمات.. في جوهر الأزمة تبدو تناقضات الدعم السريع أكثر وضوحاً من أي وقت مضى..

فمن جهة يرفع قادته شعارات بناء الدولة المدنية والديمقراطية وحماية المهمشين، ومن جهة أخرى ترتبط صورة المليشيا في الوعي العام بمشاهد العنف والانتهاكات والنزوح الجماعي وتدمير البنية الاجتماعية في مناطق واسعة من السودان..

فالعمل السياسي الناجح يقوم على قاعدة أخلاقية وقانونية تمنح صاحبه شرعية الوجود والاستمرار، بينما تقوم تجربة المليشيات المسلحة بطبيعتها على منطق القوة والإكراه.. ولذلك يصعب الجمع بين مشروع سياسي يسعى إلى كسب ثقة المجتمع وبين ممارسات ميدانية تزرع الخوف والعداء في نفوس المواطنين.

المشكلة الأكبر أن بعض قادة الدعم السريع ما زالوا يقرؤون المشهد السوداني بعين القوة العسكرية وحدها، متجاهلين أن التاريخ السياسي في السودان أثبت مراراً أن السلاح قد يمنح نفوذاً مؤقتاً، لكنه لا يصنع قبولاً اجتماعياً دائماً..

دونكم الحركة الإسلامية خير دليل، فقد امتلكت القوة والمال والنفوذ ثم انتهت إلى عزلة سياسية كاملة لأنها فقدت ثقة المجتمع. كما أن الخطاب السياسي للمليشيا يعاني من ضعف بنيوي واضح؛ إذ يفتقر إلى رؤية فكرية متماسكة يمكن أن تفسر للمواطنين طبيعة المشروع الذي تسعى إليه..

فالشعارات وحدها لا تكفي لإقناع الناس، خصوصاً عندما تتعارض مع التجارب اليومية التي يعيشونها..

وكلما ازداد التناقض بين القول والفعل، تآكلت المصداقية واتسعت دائرة الرفض الشعبي. ومن المفارقات اللافتة أن كثيراً من قيادات الدعم السريع خرجوا من رحم النظام الذي يهاجمونه اليوم، بل إن المليشيا نفسها تشكلت تاريخياً في سياقات سياسية وأمنية ارتبطت بسياسات اظام الإنقاذ المعزول من الشعب.. لذلك فإن محاولات تقديمها باعتبارها مشروعاً سياسياً جديداً ومنفصلاً عن إرث الماضي تواجه أسئلة صعبة لا تزال بلا إجابات مقنعة. إذا كان المؤتمر الوطني قد دفع ثمناً باهظاً نتيجة أخطاء الماضي، فإن الدعم السريع يواجه تحدياً أكبر، لأن حجم الاتهامات والانتهاكات المنسوبة إليه جعل صورته لدى قطاعات واسعة من السودانيين مرتبطة بالحرب أكثر من ارتباطها بأي مشروع سياسي محتمل..

لهذا يبدو الحديث عن فرض واقع سياسي جديد بقوة السلاح أقرب إلى الوهم منه إلى الحسابات الواقعية..

لأن السياسة ليست امتداداً للحرب بوسائل أخرى فحسب، وإنما هي أيضاً فن بناء الثقة، والثقة لا تُنتزع بالقوة ولا تُشترى بالشعارات.

إن أخطر ما قد تواجهه مليشيات الدعم السريع ليس الهزيمة العسكرية وحدها، وإنما خسارة المجال الاجتماعي الذي يمنح أي قوة فرصة البقاء داخل النسيج الوطني.. فالمجتمعات قد تتجاوز آثار الحروب بمرور الزمن، لكنها نادراً ما تنسى من تسبب في تمزيقها وإغراقها في دوامات الدم..

دارفور خاصة الوضع مختلف لأن الدعم السريع ارتبطت بامتدادات للجرائم الإنسانية والنهج العنصري، بل ارتبط اسم الدعم السريع بالأجنبي الذي غزي البلاد طمعاً في تهجير أهلها واستغلال مواردها، وتبدو تكلفة الحرب أكبر من مجرد خسائر مادية أو عسكرية. فكل انتهاك يترك جرحاً جديداً في الذاكرة الجمعية، وكل قرية مدمرة تخلق دائرة إضافية من الغضب والرغبة في المحاسبة..

ومع تراكم هذه المشاعر يصبح من الصعب على الدعم السريع أن تتحول إلى فاعل سياسي مقبول مهما امتلكت من أدوات الدعاية والتأثير..

وتشير الحسابات السياسية البحتة إلى أن استمرار التمسك بخطاب القوة سيؤدي إلى تعميق العزلة بدلاً من كسرها، وإلى توسيع دائرة الخصوم بدلاً من بناء الحلفاء..

أما اجتماعياً، فإن استمرار الدعم السريع على ذلك الطرح، يهدد بقيام أجسام عسكرية وسياسية مقاومة، تحمل ذاكرة مثقلة بالألم والانقسام، وهو ما سيجعل أي مشروع للمصالحة أكثر تعقيداً في المستقبل.

إن الطريق الذي تسير فيه المليشيا اليوم لا يقود إلى شرعية سياسية مستقرة، بل إلى مأزق تاريخي قد تتجاوز آثاره حدود الحرب الحالية نفسها..

قد يصل الى أقصى درجة من التوتر والتعقيد تصل فيها المجتمعات إلى مرحلة تفقد فيها الثقة بصورة كاملة، يصبح استرداد تلك الثقة أصعب بكثير من كسب أي معركة في الميدان..

عندها لن يكون السؤال من يملك السلاح، بل من يملك القدرة على التعايش مع مجتمع لم يعد مستعد


اً لمنح الغفران بسهولة.

Exit mobile version