ضل الحراز: علي منصور حسب الله

في مذكرته القانونية التي دفع بها رداً على ما ورد في مقالنا المنشور في صحيفة دارفور الآن والتي جاءت في الوقت ذاته مصحوبة بتلويح باللجوء إلى قانون جرائم المعلوماتية أشار السيد المستشار يوسف الكلس إلى عدد من الدفوع القانونية التي تستحق التوقف عندها والنقاش الموضوعي بشأنها ورغم موقفنا المعلن من قانون جرائم المعلوماتية في ظل وجود قانون الصحافة والمطبوعات الساري المفعول والذي لم يتم إلغاؤه بأي مرسوم دستوري أو رئاسي فإننا نؤكد مجدداً احترامنا للقانون وترحيبنا بأي مسار قانوني إذا ثبت أننا تجاوزنا الحقيقة أو أجحفنا في حق أي شخص أو جهة فالاحتكام إلى القانون يظل الوسيلة الحضارية لحسم الخلافات شريطة أن يكون القانون أداة لتحقيق العدالة لا وسيلة لتقييد حرية الرأي والنقد المشروع وقبل ذلك عليه أن يوضح الصفة التي كتب بها المرافعة محامي دفاع ام مستشار يتبع لوزارة العدل أم مستشار خاص متعاقد مع الولاية أم متطوع يشير السيد المستشار في مذكرته إلى إمكانية وجود استثناءات أو ظروف خاصة صاحبت إجراءات التعاقد محل الجدل ولنفترض جدلاً صحة هذا الدفع ولنتفق من باب النقاش القانوني المجرد على أن الاتفاق الذي أبرم بين السيد أبو العز أبكر آدم عبد الله مدير مكتب الوالي وشركة شاوة ممثلة في وكيلها السيد حبيب بابكر أبكر يحيى قد تم بدافع الضرورة أو استجابة لظروف استثنائية قاهرة فرضتها المرحلة غير أن التساؤلات القانونية والإدارية التي تثيرها بنود الاتفاق تظل قائمة ليس بسبب طبيعة الصفقة وحدها وإنما بسبب الكيفية التي صيغ بها العقد وما انطوى عليه من أوجه قصور جوهرية تمس سلامة الإجراءات ومشروعية التعاقد ذاته فالعقد الذي بحوزتنا نسخة منه لم يتضمن أي وصف تفصيلي للمواصفات الفنية للعربات محل التعاقد واكتفى فقط بالإشارة إلى أنها (20) عربة تتراوح موديلاتها ما بين عامي (2012 و2023) وهنا يبرز سؤال قانوني وإداري مشروع هل جميع هذه الموديلات متساوية في القيمة والسعر والمواصفات الفنية؟.

أليس من حق الشركة الموردة وفق النص الوارد بالعقد أن تقوم بتوريد عربات من موديل 2012 فقط طالما أن العقد لم يلزمها بموديل محدد أو مواصفات دقيقة؟ أو حتى تحديد عدد عربات من كل موديل وهل يمكن اعتبار هذا النص الفضفاض ضمانة كافية لحماية المال العام؟ إن الإجابة الموضوعية على هذه الأسئلة تكشف وجود ثغرة قانونية وإدارية خطيرة في عقد يتعلق بمشتريات حكومية يفترض أن تخضع لأعلى درجات الدقة والشفافية فمن المعلوم قانوناً وإدارياً أن تحديد المواصفات الفنية الدقيقة ليس إجراءً شكلياً أو تفصيلاً ثانوياً بل يمثل أحد أهم الضمانات الأساسية لحماية المال العام ومنع التلاعب وإغلاق أبواب الغموض والتأويل التي قد تستفيد منها الجهات المتعاقدة مع الدولة ولهذا فإن عقود المشتريات الحكومية الرشيدة تتضمن عادة تفاصيل دقيقة تشمل سنة الصنع المحددة وحالة المركبات وبلد المنشأ وعدد الكيلومترات المقطوعة ونوع المحرك ومستوى التجهيزات الفنية وفترة الضمان وشهادات المطابقة والمواصفات القياسية إضافة إلى أي متطلبات فنية أخرى تراها الجهة الحكومية ضرورية أما غياب هذه التفاصيل فإنه يفتح الباب أمام احتمالات متعددة من بينها توريد مركبات منخفضة القيمة الفنية والسوقية أو متهالكة نسبياً رغم أن القيمة المالية المدفوعة قد تكون مرتفعة للغاية مقارنة بقيمتها الحقيقية كما يمنح الشركة المتعاقدة مساحة واسعة للتفسير والتأويل والتنصل من بعض الالتزامات المستقبلية ويضعف قدرة الجهات الرقابية أو العدلية على إثبات المخالفة أو الإخلال بالعقد لأن النصوص جاءت فضفاضة وغير محكمة.

ومن الناحية القانونية فإن الاكتفاء بذكر الموديل دون تحديد المواصفات الفنية الكاملة وبصورة دقيقة يمكن اعتباره خللاً جوهرياً في صياغة العقد لأن العقود الحكومية لا تبنى على حسن النوايا أو العلاقات الشخصية أو الثقة المتبادلة وإنما تبنى على نصوص واضحة ومحددة تحمي المال العام وتحدد المسؤوليات والالتزامات بشكل لا يقبل اللبس أو الاجتهاد غير أن القضية لا تقف عند حدود غياب المواصفات الفنية فقط بل تمتد إلى نقطة أكثر خطورة تتعلق بحدود السلطة القانونية الممنوحة للسيد أبو العز أبكر آدم عبد الله بموجب التفويض الإداري الصادر له

فبحسب المستندات المتوفرة لدينا فإن التفويض كان محدداً بالتوقيع على عقد شراء عربة (برادو) للولاية بينما كشف الاتفاق المبرم مع شركة شاوة عن تعاقد يشمل عشرين عربة دفعة واحدة.

وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه من أين استمد السيد أبو العز أبكر آدم عبد الله سلطة التعاقد على شراء تسع عشرة عربة إضافية خارج نطاق التفويض الأصلي؟

وهل تم تعديل التفويض وفق الإجراءات القانونية المطلوبة؟ وهل صدرت موافقة جديدة من الجهات المختصة؟

أم أن الأمر تم عبر توسع إداري تجاوز حدود السلطة الممنوحة قانوناً؟ وبالرجوع إلى الإتفاق المبرم وموثق بمكتب الأستاذ خالد محمد الريح ببورتسودان استند على التفويض الذي يحدد نصا عربة برادو وهذه ليست مسألة شكلية وإنما تتعلق مباشرة بمشروعية التصرف الإداري ذاته ففي الفقه الإداري المستقر لا يجوز لأي موظف أو مسؤول مهما كان موقعه أن يتجاوز حدود التفويض الممنوح له لأن السلطة المفوضة تفسر تفسيراً ضيقاً ولا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها.

وبالتالي فإن أي تصرف يتم خارج نطاق التفويض قد يكون عرضة للطعن القانوني والمساءلة الإدارية ثم إن طبيعة وظيفة مدير مكتب الوالي نفسها تثير تساؤلات إضافية فمدير المكتب بحكم الوصف الوظيفي المتعارف عليه يضطلع بمهام إدارية وتنظيمية تتمثل في إدارة المكتب التنفيذي للوالي وتنظيم جدول أعماله والإشراف على المراسلات الرسمية والتنسيق بين الأجهزة الحكومية وإعداد التقارير ومحاضر الاجتماعات ومتابعة تنفيذ القرارات وهي وظيفة إدارية بطبيعتها وليست وظيفة فنية أو مالية مختصة بالمشتريات الحكومية أو التعاقدات المالية الكبرى ومن هنا تتعاظم علامات الاستفهام كيف تم تفويض مدير مكتب الوالي بهذه المهمة أصلاً؟ وأين كانت وزارة المالية؟ وأين الإدارات المختصة بالمشتريات والعطاءات الحكومية؟

وأين الجهات الفنية التي يفترض أن تحدد المواصفات وتتابع إجراءات الشراء؟

وهل جرى تجاوز المؤسسات المختصة لصالح ترتيبات شخصية أو سياسية؟ إن الدولة ليست فرداً والمال العام ليس ملكية خاصة حتى تدار معاملاته بمنطق الثقة الشخصية أو المجاملة السياسية أو النفوذ الإداري والأخطر من ذلك أن هذا الخلل الإجرائي يظل قائماً حتى لو افترضنا جدلاً أن العربات تم توريدها بالمواصفات المثالية ذلك لأن سلامة الإجراءات لا تقاس فقط بالنتائج النهائية وإنما بمدى الالتزام بالقوانين واللوائح المنظمة للشراء والتعاقد الحكومي.

فقد تأتي الصفقة مطابقة للمواصفات لاحقاً لكن ذلك لا يمحو وجود مخالفة إجرائية أو قصور إداري في أصل التعاقد وهذه هي الفلسفة التي يقوم عليها قانون الشراء والتعاقد العام فهو لا يهدف فقط إلى معاقبة الفساد بعد وقوعه بل يسعى إلى منعه قبل حدوثه من خلال فرض إجراءات واضحة وشفافة تضمن المنافسة العادلة وحماية المال العام ولهذا فإن الشفافية ووضوح المواصفات والتقيد الصارم بالإجراءات القانونية ليست مجرد تفاصيل بيروقراطية بل تمثل جوهر الحكم الرشيد وأحد أهم أدوات حماية الدولة من الفساد واستغلال النفوذ والمحسوبية والمعركة الحقيقية التي يخوضها السودان اليوم لا يمكن كسبها بالشعارات أو الخطابات العاطفية أو استدعاء المواقف الوطنية لتبرير الأخطاء وإنما تكسب بإرساء العدالة وترسيخ مبدأ المحاسبة ومحاربة الفساد والمفسدين بلا استثناء سواء كان الفساد مالياً أو إدارياً أو مرتبطاً باستغلال النفوذ والسلطة كما أن احترام القوانين وعلى رأسها قانون الشراء والتعاقد يمثل حجر الزاوية في بناء دولة المؤسسات وسيادة حكم القانون

فالدول لا تنهار بالحروب وحدها وإنما تنهار أيضاً عندما يصبح تجاوز القانون أمراً عادياً وعندما تدار الأموال العامة بلا رقابة أو شفافية أو مساءلة.

نعم لعب الوالي مصطفى تمبور وبعض الحركات المسلحة دوراً مهماً في حرب الكرامة وهذا أمر لا ينكره إلا مكابر غير أن ذلك لا يمكن أن يتحول إلى حصانة سياسية أو قانونية تعفي أي مسؤول من المساءلة أو تمنحه حق تجاوز القوانين واللوائح المنظمة للعمل العام.

فالوطنية الحقيقية لا تعني تعطيل القانون بل تعني الخضوع له ومن قاتل دفاعاً عن الدولة يفترض أن يكون أول الحريصين على حماية مؤسساتها واحترام قوانينها لا أن يستخدم رصيده السياسي أو العسكري كغطاء للصمت على الأخطاء أو تجاوز الإجراءات أو تحصين المسؤولين من النقد والمحاسبة إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول الخارجة من الحروب ليس فقط الدمار العسكري وإنما تطبيع الفساد تحت غطاء الوطنية وتحويل التضحيات إلى مبرر لغياب الشفافية والمساءلة وحين يصبح السؤال عن المال العام جريمة والنقد مؤامرة والمحاسبة استهدافاً سياسياً فإن الدولة تكون قد دخلت أخطر مراحل الانهيار الإداري والأخلاقي حتى وإن حققت انتصارات عسكرية في ميادين القتال ولهذا فإن المطالبة بالتحقيق وطرح الأسئلة ومراجعة الإجراءات ليست موقفاً ضد أحد وإنما دفاع مشروع عن حق المواطن السوداني في معرفة كيف تدار أموال الدولة وكيف تبرم العقود ومن يحاسب من يتجاوز القانون مهما كان موقعه أو تاريخه السياسي أو العسكري.

فالدول لا تبنى بالصمت على الأخطاء ولا تحمى بتقديس المسؤولين ولا تستقيم حين يصبح النفوذ أقوى من القانون وحين تتحول المؤسسات العامة إلى ساحات للمجاملات والمحاصصات والمحسوبية وسيظل السؤال قائماً هل نحن بصدد بناء دولة مؤسسات يحكمها القانون أم إعادة إنتاج ذات الممارسات التي أوصلت السودان إلى أزماته المتراكمة؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل الرأي العام أكثر من أي شيء آخر

نواصل في ردودنا لمذكرة المستشار يوسف الكلس.

وفي الحلقات القادمة سندخل إلى واحد من أكثر الملفات حساسية وإثارة للجدل داخل أروقة حركة العدل والمساواة لنكشف للرأي العام وقائع ووثائق جديدة تتعلق بتحولات بعض الحركات المسلحة من مشاريع سياسية وعسكرية رفعت شعارات العدالة والتغيير إلى شبكات نفوذ ومصالح ومحسوبية وسنترك للمستندات والوثائق أن تتحدث بنفسها وللوقائع أن تقول كلمتها وللقارئ أن يكوّن رأيه استناداً إلى الحقائق لا إلى الانطباعات وإلى الوثائق لا إلى الاتهامات المتبادلة.

 

وللحديث بقية…

Exit mobile version