ضل الحراز: علي منصور حسب الله

في مذكرته القانونية التي قدمها للرد على ما ورد في مقالنا المنشور في صحيفة دارفور الآن نري أن المستشار يوسف الكلس وهو يرد بدفوعات قانونية قد أغفل نقطة جوهرية تستحق الوقوف عندها ملياً وهي مسألة قانونية من الدرجة الأولى تتمثّل في توثيق العقود والإتفاقيات الحكومية فالأصل في الإجراءات القانونية للدولة أن تتم عبر الإدارات القانونية التابعة لوزارة العدل والمستشارين القانونيين المكلفين رسمياً بخدمة مؤسسات الدولة وليس عبر مكاتب محاماة خاصة إلا في حالات إستثنائية محددة ومبررة قانوناً ووفق الإجراءات المعتمدة إن اللجوء إلى توثيق عقود حكومية أو إبرام ترتيبات قانونية خارج القنوات الرسمية المختصة يثير تساؤلات مشروعة حول سلامة الإجراءات ومدى توافقها مع القوانين واللوائح المنظمة للعمل الحكومي فوجود الإدارات القانونية داخل مؤسسات الدولة لم يأت عبثاً وإنما لتكون الحارس القانوني للإجراءات والعقود والإلتزامات المالية والإدارية حتى عملية الدفاع عن المؤسسات الحكومية يجب أن يطلع بها قانونياً هؤلاء المستشارين القانونيين لضمان حماية المال العام من الأخطاء والتجاوزات ومن هنا يبرز سؤال مشروع ما جدوى وزارة العدل والإدارات القانونية والمستشارين القانونيين الذين يتم توزيعهم على المؤسسات الحكومية إذا كانت الجهات الرسمية تلجأ إلى مكاتب خاصة لتوثيق عقودها وإتفاقياتها وتستعين بمحاميين للدفاع عن سمعة هذه المؤسسات؟ وما هي المبررات القانونية والإدارية التي إستندت إليها إجراءات محل النقاش؟

ويبدو أن بعض الجهات والأفراد إستغلوا ظروف الحرب وما صاحبها من فراغ إداري واضطراب مؤسسي للإستحواذ على مفاصل العمل التنفيذي والإداري داخل الولاية الأمر الذي أوجد بيئة تسمح بتمرير قرارات وإجراءات كان من الصعب تمريرها في ظل أوضاع مؤسسية مستقرة وخاضعة للرقابة الطبيعية وبحسب ما ورد في المستندات فإن العقد محل الجدل والتفويضات المرتبطة به تثير شبهة مخالفة للقوانين واللوائح والإجراءات المالية والمحاسبية المعمول بها في أجهزة الدولة فضلاً عن مخالفة الضوابط المتعارف عليها في توثيق العقود الحكومية وهذه ليست أحكاماً نهائية وإنما تساؤلات مشروعة تستوجب الفحص والتحقيق بواسطة الجهات المختصة وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية أين دور المراجع الداخلي؟ وأين ديوان المراجعة القومي؟ وأين الجهات الرقابية التي أنشئت أصلاً لضمان سلامة التصرف في المال العام؟ ويشير المستشار يوسف الكلس في مذكرته إلى وجود خلط بين الرأي والاتهام ويقول إن المقال استند إلى استنتاجات وتحليلات ذات طابع سياسي وإعلامي وقدمت بصورة توحي بأنها حقائق ثابتة في حين أن المسائل المتعلقة بصحة الإجراءات الإدارية والمالية هي مسائل فنية وقانونية تختص بالفصل فيها الجهات الرقابية والمراجعية والعدلية المختصة وفي هذا الجانب نتفق معه من حيث المبدأ فالفصل النهائي في سلامة الإجراءات أو بطلانها يظل من اختصاص الجهات المختصة غير أن هذا لا يلغي حق الرأي العام والصحافة في إثارة التساؤلات المشروعة حول المستندات والوقائع التي تظهر إلى العلن على الأقل لحث هذه الجهات للقيام بادوارها كاملة خاصة عندما يتعلق الأمر بالمال العام وإدارة الموارد الحكومية كما أشار المستشار إلى أن الكاتب لم يقدم نتائج تحقيق صادرة من ديوان المراجعة أو النيابة أو أي جهة قضائية تثبت صحة ما ذهب إليه من استنتاجات وهنا نرى أن تحويل هذه المستندات إلى ديوان المراجعة القومي والجهات المختصة أصبح ضرورة ملحة ليس فقط لحسم الجدل الدائر وإنما أيضاً لحماية المؤسسات الرقابية نفسها من أي شبهة تقاعس أو صمت تجاه مخالفات محتملة

فالقوانين واللوائح التي تضبط الصرف والإنفاق الحكومي ليست مجرد نصوص إجرائية جامدة وإنما تمثل الإطار القانوني والإداري الذي يضمن الإدارة الرشيدة والعادلة والشفافة للمال العام وتكمن أهميتها في عدة جوانب أساسية

أولاً: حماية المال العام فهي تمنع الصرف العشوائي أو غير المبرر وتضع ضوابط قانونية تضمن توجيه الأموال للأغراض التي خصصت لها كما تحد من مخاطر الاختلاس والتلاعب وإهدار الموارد العامة

ثانياً تعزيز مبدأ المشروعية وسيادة القانون إذ تلتزم المؤسسات الحكومية بالإنفاق وفق القوانين والميزانيات المعتمدة ولا يجوز لأي مسؤول التصرف في المال العام وفق تقديره الشخصي أو رغباته الخاصة خارج الأطر القانونية المحددة

ثالثاً تحقيق الشفافية والمساءلة فهي تتيح تتبع حركة الأموال الحكومية ومراجعتها وتمكن أجهزة الرقابة والمراجعة من فحص أوجه الصرف والتأكد من سلامتها كما تسهل مساءلة المسؤولين عند وقوع مخالفات مالية أو إدارية

رابعاً ضمان العدالة في توزيع الموارد إذ تساعد على توجيه الإنفاق نحو الأولويات الحقيقية للمواطنين وتمنع استخدام المال العام لخدمة مصالح أفراد أو جماعات أو شبكات نفوذ على حساب المصلحة العامة

خامساً رفع كفاءة الإنفاق الحكومي من خلال الحد من الهدر والتكرار وسوء التخطيط وربط الإنفاق بالأهداف والنتائج المتوقعة من البرامج والمشروعات الحكومية

سادساً تعزيز الثقة في مؤسسات الدولة فكلما التزمت المؤسسات بالقوانين والضوابط المالية ازدادت ثقة المواطنين والمستثمرين والشركاء في الدولة ومؤسساتها وترسخت فكرة دولة المؤسسات بدلاً من دولة الأشخاص

سابعاً منع تضارب المصالح والمحسوبية عبر وضع قواعد واضحة للمشتريات والعقود الحكومية والحد من استغلال النفوذ لتحقيق مكاسب شخصية أو أسرية أو حزبية

ثامناً الامتثال لمبادئ الحكم الرشيد والمعايير الدولية إذ تشكل الإدارة المالية السليمة أحد المؤشرات الأساسية التي تقاس بها كفاءة الحكومات ومدى التزامها بمبادئ النزاهة والشفافية والمساءلة ومن الناحية القانونية فإن أي تجاوز للقوانين واللوائح المنظمة للإنفاق الحكومي قد يترتب عليه بطلان الإجراءات المالية والإدارية محل المخالفة، كما قد يثير مسؤوليات مدنية أو تأديبية أو جنائية بحسب طبيعة الأفعال المرتكبة والنتائج المترتبة عليها فالمال العام ليس ملكاً للمسؤولين ولا للحكومات المؤقتة وإنما هو حق للمواطنين وأمانة تخضع لأعلى درجات الحماية القانونية والرقابة المؤسسية أما ما ورد في المذكرة بشأن أن المقال لم يتضمن ردود حكومة الولاية أو وزارة المالية أو الجهات المتعاقدة الأخرى فإن هذا المأخذ يستحق النظر من الناحية المهنية غير أن غياب الردود لا ينفي حق الصحافة في النشر عندما تكون لديها مستندات ووثائق ذات صلة بالمصلحة العامة كما لا يمنع الجهات المعنية من تقديم توضيحاتها أو بياناتها للرأي العام في أي وقت

إن القضية المطروحة اليوم لا تتعلق بشخص أو مجموعة أشخاص بقدر ما تتعلق بمبدأ أساسي هو هل تدار مؤسسات الدولة وفق القانون واللوائح والمؤسسات الرقابية أم وفق النفوذ والعلاقات والمحسوبية؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الجهات المختصة بوضوح وشفافية لأن بناء الدولة لا يقوم على الأشخاص مهما كانت مواقعهم وإنما يقوم على احترام القانون وخضوع الجميع للمساءلة وصيانة المال العام من أي تجاوز أو عبث ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس تبادل المذكرات والردود فحسب بل فتح تحقيق مهني ومستقل وشفاف حول كل ما ورد في هذه المستندات حتى يعرف المواطن الحقيقة كاملة وحتى تثبت براءة من لم يخطئ أو تتم مساءلة من يثبت تجاوزه للقانون فالدولة التي تحترم نفسها لا تخشى المراجعة والمؤسسات الواثقة من سلامة إجراءاتها لا تخشى الرقابة والمال العام لا يجوز أن يبقى رهينة للظنون أو الشبهات بل يجب أن يخضع دائماً لسلطان القانون وحكم المؤسسات

وفي الحلقات القادمة سندخل إلى واحد من أكثر الملفات حساسية وإثارة للجدل داخل أروقة حركة العدل والمساواة لنكشف للرأي العام وقائع ووثائق جديدة تتعلق بتحولات بعض الحركات المسلحة من مشاريع سياسية وعسكرية رفعت شعارات العدالة والتغيير إلى شبكات نفوذ ومصالح ومحسوبية وسنترك للمستندات والوثائق أن تتحدث بنفسها وللوقائع أن تقول كلمتها وللقارئ أن يكوّن رأيه استناداً إلى الحقائق لا إلى الانطباعات وإلى الوثائق لا إلى الاتهامات المتبادلة

 

وللحديث بقية…

Exit mobile version