ضل الحراز: علي منصور حسب الله

أجاز مجلس الوزراء مشروع قانون نظام الحكم الإقليمي لدارفور في خطوة وصفت بأنها مفصلية على المستويين الإداري والسياسي بإعتبارها أحد إستحقاقات إتفاق جوبا للسلام ووسيلة لإضفاء إطار قانوني على مؤسسات الحكم بالإقليم وصلاحياتها وإختصاصاتها ولا شك أن تنظيم مؤسسات الحكم بقانون يعد أمراً مطلوباً في أي دولة تحترم مبدأ الشرعية وسيادة حكم القانون إذ لا يجوز أن تمارس أي سلطة عامة إختصاصاتها دون سند قانوني يحدد حدودها ومسؤولياتها وعلاقتها ببقية مستويات الحكم ومن هذا المنطلق فإن الترحيب بإجازة القانون من حيث المبدأ لا يمنع من إثارة تساؤلات جوهرية تتعلق بأساسه الدستوري ومدى إتساقه مع البناء الدستوري للدولة السودانية لأن القضية هنا لا تتعلق بمجرد إنشاء أجهزة إدارية أو تنظيم وحدات حكم إقليمي أو ولائي وإنما تتصل بطبيعة الدولة نفسها وبهيكل السلطة ومستويات الحكم فيها ففي الفقه الدستوري المقارن يعد إنشاء الأقاليم وتحديد مكانتها داخل الدولة من المسائل الدستورية الأصيلة التي لا تترك للقانون العادي ذلك لأن الإقليم ليس مجرد وحدة إدارية وإنما مستوى من مستويات الحكم يرتبط بتوزيع السلطات والثروات والإختصاصات بين المركز والوحدات المكونة للدولة ولذلك فإن الدساتير هي التي تنشئ الأقاليم وتحدد مكانتها وصلاحياتها الأساسية بينما تأتي القوانين لاحقاً لتنظيم كيفية ممارسة تلك الصلاحيات وتفصيل مؤسسات الحكم وآليات عملها وهنا تبرز ضرورة التمييز بين مفهومين قانونيين مختلفين التأسيس والتنظيم

فالتأسيس عمل دستوري بطبيعته يحدد وجود الإقليم وموقعه في هيكل الدولة وإختصاصاته العامة أما التنظيم فهو عمل قانوني يختص بتحديد مؤسسات الحكم الإقليمي وإختصاصاتها التفصيلية والعلاقة بينها وبين الحكومة المركزية والولايات وآليات إدارة الموارد والخدمات العامة وبناءاً على ذلك فإن أي نظام للحكم الإقليمي يستمد شرعيته أولاً من الدستور ثم يستمد آليات عمله من القانون فالدستور يؤسس والقانون ينظم أما إذا سبق القانون الدستور في إنشاء واقع سياسي أو إداري جديد فإن ذلك يثير إشكالاً يتعلق بتراتبية القواعد القانونية ومبدأ سمو الدستور على سائر القوانين ومن هنا يبرز التساؤل حول الوضع الخاص بإقليم دارفور

فقد شهد الإقليم في أبريل 2016 إستفتاءاً إدارياً نصت عليه وثيقة الدوحة للسلام في دارفور وخيّر المواطنون فيه بين نظام الإقليم الواحد ونظام الولايات وأسفرت النتائج المعلنة آنذاك عن تصويت أغلبية كبيرة لصالح الإبقاء على نظام الولايات الخمس وبغض النظر عن التقييمات السياسية المختلفة لذلك الإستفتاء أو الظروف التي أُجري فيها فإن النتيجة المعلنة مثلت في حينها تعبيراً رسمياً عن إرادة سياسية وإدارية جرى إعتمادها من مؤسسات الدولة القائمة آنذاك وصارت لها حجية قانونية ودستورية غير أن إتفاق جوبا للسلام لعام 2020 أعاد طرح فكرة الإقليم ومنح دارفور وضعاً خاصاً من خلال النص على إنشاء إقليم دارفور وتعيين حاكم له وهو ما إنعكس لاحقاً في التعديلات التي أُدخلت على الوثيقة الدستورية الانتقالية وهنا تكمن جوهر الإشكالية القانونية فإذا كانت الوثيقة الدستورية قد نصت بصورة صريحة وواضحة على إنشاء إقليم دارفور وحددت مكانته وإختصاصاته الأساسية فإن إصدار قانون للحكم الإقليمي يصبح أمراً طبيعياً ومطلوباً لتنفيذ ذلك النص الدستوري أما إذا كانت الوثيقة الدستورية قد إكتفت بإشارات عامة أو ترتيبات إنتقالية دون أن تنشئ بصورة واضحة نظاماً إقليمياً متكاملاً فإن منح الإقليم سلطات واسعة عبر قانون عادي يثير تساؤلات مشروعة حول مدى كفاية السند الدستوري الذي يستند إليه هذا القانون فالقانون مهما بلغت أهميته يظل أدنى مرتبة من الدستور ولا يجوز له أن ينشئ واقعاً دستورياً جديداً أو يعدل التوازنات الدستورية القائمة أو يعيد توزيع السلطات بين مستويات الحكم المختلفة دون تفويض دستوري صريح فوظيفة القانون هي التنفيذ والتنظيم والتفصيل لا التأسيس والإنشاء ولعل من أهم الملاحظات التي تستحق النقاش أن الحكومة سارعت إلى إجازة قانون يمنح الإقليم صلاحيات واسعة في مجالات الإدارة والتخطيط والتنمية والموارد والتنسيق الأمني بينما ظل الأساس الدستوري الذي يمنح هذه الصلاحيات محل جدل قانوني وسياسي وكان الأجدر من منظور دستوري سليم أن يتم أولاً تضمين نظام الحكم الإقليمي بصورة واضحة ومفصلة في الوثيقة الدستورية ثم يأتي القانون لاحقاً لترجمة تلك النصوص إلى مؤسسات وإختصاصات وإجراءات تنفيذية ذلك أن الإستقرار الدستوري لا يتحقق بإصدار القوانين وحدها وإنما ببناء هرم قانوني متماسك تبدأ قمته بالدستور ثم تتدرج تحته القوانين واللوائح وعندما تبنى المؤسسات الكبرى على أسس دستورية راسخة تصبح أقل عرضة للطعن السياسي أو القانوني وأكثر قدرة على الإستمرار والإستقرار

كما أن نجاح أي تجربة للحكم الإقليمي لا يتوقف على النصوص القانونية وحدها وإنما يرتبط بقدرتها على تحقيق الأمن والاستقرار وتعزيز المشاركة السياسية وتحسين الخدمات العامة ودعم التنمية المتوازنة وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين وإعادة الإعمار فهذه هي الغايات الحقيقية التي ينتظرها مواطن دارفور وليست مجرد إنشاء هياكل ومناصب ومؤسسات جديدة لقد أثبتت التجارب السودانية المتعاقبة أن الأزمات الوطنية لا تحل بإعادة رسم الخرائط الإدارية فحسب وإنما بإقامة نظام حكم يقوم على الشرعية الدستورية والعدالة في توزيع السلطة والثروة والشفافية والمساءلة وسيادة حكم القانون ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في صدور القانون ذاته بل في مدى قدرته على الصمود أمام الاختبار الدستوري وتحقيق السلام والتنمية على أرض الواقع وفي نهاية المطاف فإن النقاش حول قانون الحكم الإقليمي لدارفور لا ينبغي أن يفهم باعتباره اعتراضاً على حق أهل دارفور في نظام حكم يحقق تطلعاتهم ويعالج مظالمهم التاريخية وإنما هو نقاش يتعلق بسلامة المسار الدستوري الذي تبنى عليه مؤسسات الدولة فالدستور هو الذي ينشئ مستويات الحكم ويحدد مكانتها أما القانون فهو الأداة التي تنظم كيفية إدارة تلك المستويات وممارسة سلطاتها

ومن ثم يبقى السؤال المشروع هل جاء قانون الحكم الإقليمي لدارفور منفذاً لنص دستوري واضح ومكتمل الأركان أم أنه سبق الدستور في إنشاء واقع سياسي وإداري جديد؟ وهل كان الأولى إجازة الترتيبات الدستورية الحاكمة للحكم الإقليمي أولاً ثم إصدار القانون لاحقاً؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تتعلق بمستقبل دارفور وحدها بل تتعلق أيضاً بمستقبل النظام الدستوري السوداني كله وبمدى احترام مبدأ سمو الدستور الذي يمثل حجر الزاوية في بناء الدولة الحديثة

Exit mobile version