ضل الحراز: علي منصور حسب الله
نواصل حديثنا حول الحركات المسلحة ونشكر جميع الذين تفاعلوا مع ما طرحناه بالأمس وعلى رأسهم الأستاذ خالد عبدالرحمن تِكس الذي تناول ما كتبناه في عموده (عكس الهواء) بما يعكس أهمية فتح هذا النقاش بشجاعة ومسؤولية بعيداً عن الإبتزاز العاطفي أو التخوين السياسي الذي أصبح سلاحاً جاهزاً يشهر في وجه كل رأي صاحب ناقد ونؤكد ابتداءً أن دارفور ليست ملكاً لأحد ولم تقع في أوراق اليانصيب السياسي لصالح أي حركة أو مجموعة أو قيادة تدعي إحتكار التمثيل أو الحديث باسم إنسان الإقليم فتمثيل دارفور لا ينتزع بقوة السلاح ولا يفرض بسياسة الأمر الواقع ولا يصنع عبر الضجيج الإعلامي الفارغ أو الخطابات الثورية المستهلكة وإنما يبنى عبر الإرادة الشعبية الحرة والمشروع السياسي الحقيقي والقدرة على مخاطبة قضايا الناس بصدق ومسؤولية لقد نجحت بعض الحركات المسلحة خلال سنوات الحرب الطويلة في فرض نفسها كأمر واقع عسكري وسياسي لكنها فشلت في التحول إلى مشروع وطني جامع يستطيع أن يقنع السودانيين بأنها تحمل رؤية حقيقية لبناء الدولة السودانية الحديثة ولهذا فإن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم ليس من يملك السلاح؟ ولا من الأكثر قدرة على الصراخ ورفع الشعارات؟ بل السؤال الحقيقي هو ما هو المشروع السياسي الذي تحمله هذه الحركات للسودان؟
وماذا قدمت طوال سنوات الحرب والتفاوض والإتفاقيات سوى إعادة إنتاج الأزمة الوطنية بأشكال أكثر تعقيداً وخطورة؟ لقد أصبحت هذه الحركات بارعة في إستثمار خطاب المظلومية وتحويله إلى أداة سياسية وإعلامية لكنها لم تنجح في مغادرة مربع الشكوى إلى فضاء بناء الرؤية إذ لا يكفي أن ترفع شعارات التهميش والعدالة إذا كانت عاجزة عن تقديم تصور متكامل للدولة ولمعنى المواطنة ولشكل الحكم ولعلاقة المركز بالأقاليم ولأسس التنمية والعدالة الإنتقالية وتقاسم السلطة والثروة وبدلاً من الإنشغال الدائم بالعويل السياسي والهجوم المستمر على الخصوم أو مطاردة الأصوات الانفصالية مثل عمسيب ومن يدور في فلكه، كان الأجدر بهذه الحركات أن تقدم نموذجاً سياسياً ناضجاً قائماً على أسس علمية وفكرية واضحة يخاطب وجدان كل السودانيين لا حواضنها العسكرية فقط فما الذي قدمته هذه الحركات فعلياً لإنسان الشمال؟ وماذا طرحت لأهل الشرق؟
وما هو خطابها تجاه إنسان الوسط أو الجنوب؟ هل إستطاعت فعلاً أن تتجاوز الجغرافيا والإثنيات والقبائل لتبني مشروعاً وطنياً جامعاً ؟ أم أنها ظلت حبيسة عقلية الحرب والغنيمة والمحاصصة وتقاسم النفوذ؟ والصراع حول الوزارات إن وجود بعض أبناء الشمال أو الوسط أو الشرق داخل هياكل الحركات أو ضمن القوات المشتركة لا يجعل منها تلقائياً حركات قومية أو وطنية لأن وجودهم بمثابة ترميز تضليلي فالقومية لا تقاس بالأسماء والديكورات السياسية ووجود الأرجوزات بصفة شكلية بل تقاس بالمشروع والرؤية والخطاب والممارسة.
فالقضية ليست في من ينتمي للحركة وإنما في ماذا تقول الحركة؟ وما الذي تؤمن به؟ وما الذي تريد أن تبنيه للسودان؟.
ومن المؤسف أن كثيراً من هذه الحركات وبعد سنوات طويلة من القتال والتفاوض والدعم الإقليمي والدولي لم تستطع حتى الآن إنتاج خطاب سياسي متماسك يستوعب تعقيدات النسيج السوداني وتنوعه الثقافي والإجتماعي والتاريخي بل إن بعض الممارسات والخطابات الصادرة من منسوبيها تكشف حجم الأزمة الفكرية والسياسية التي تعاني منها فقد ظهر مؤخراً أحد المنتمين إلى القوات المشتركة برتبة نقيب مرتدياً بزته العسكرية الكاملة وملفوف الرأس بالكدمول وهو يتحدث بلغة خطيرة تحمل دلالات مقلقة حين قال وهو يهدد الصحفية المعروفة رشان أوشي.
(نحن لا نذهب إلى المحاكم بل نأخذ حقنا بأيدينا) وهنا يبرز السؤال الأخطر من المقصود بـ(نحن)؟ هل يتحدث بإسم حركة بعينها؟ أم بإسم القوات المشتركة؟ أم بإسم كل الحركات المسلحة مجتمعة؟وهل أصبحت العدالة في نظر هذه التكوينات المسلحة مجرد فعل إنتقامي يمارس خارج مؤسسات الدولة والقانون؟ إذا كانت هذه هي العقلية التي تدار بها السياسة والسلاح فكيف يمكن إقناع السودانيين بأن هذه الحركات تحمل مشروع دولة حديثة؟ وكيف يطمئن السودانيين بألا يكرر هذه الحركات تجربة الدعم السريع وكيف يمكن بناء وطن يقوم على سيادة القانون بينما يجري الترويج لمنطق أخذ الحقوق بالقوة لا عبر القضاء والمؤسسات العدلية؟ بل كيف صار صحفي نقيب في حركة مسلحة وهل تخلى عن أفكاره القديمة حيث كان الناطق الرسمي باسم أكبر تنظيم عنصري في السودان وهو منبر السلام العادل الذي تأسس عام 2006 بعد انشقاق قادته عن المؤتمر الوطني إن أخطر ما في الأمر أن الأزمة لم تعد مجرد تصريحات فردية عابرة بل أصبحت تعبيراً عن ثقافة سياسية نشأت داخل بيئات الحرب الطويلة حيث جرى إستبدال فكرة الدولة بفكرة القوة وإستبدال القانون بمنطق السلاح وإستبدال المواطنة بولاءات ما قبل الدولة.
وفي هذا السياق جاء بيان غرفة القيادة والسيطرة للقوات المشتركة الممهور بتوقيع الفريق عبدالله بشر جالي (عبد الله جنا) قائد العمليات الرئيسية ليؤكد حجم الإرباك داخل هذه التكوينات إذ نص البيان على حظر أي فرد يتبع للقوات المشتركة مهما كانت رتبته أو موقعه من الإدلاء بتصريحات غير لائقة أو مسيئة تجاه قيادة القوات المسلحة والشرطة والأمن والقوات المساندة مع التهديد بعقوبات للمخالفين لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا أين المواطن السوداني في هذا البيان؟ فالبيان شدد على عدم الإساءة للمؤسسات العسكرية والأمنية لكنه لم يتحدث بوضوح عن الإساءة للمواطنين أو التحريض ضدهم أو تهديدهم أو ممارسة خطاب الكراهية تجاههم كما في حادثة النقيب مشتركة فكأن كرامة المؤسسات العسكرية والأمنية أعلى شأناً من كرامة الإنسان السوداني فهنا تتجلى الأزمة الأخلاقية والسياسية بصورة أكثر وضوحاً فبعض هذه الحركات لا تزال تتعامل مع المواطن باعتباره مجرد وقود للحرب أو خزاناً بشرياً للتعبئة لا بإعتباره محور العملية السياسية وصاحب الحق الأصيل في الأمن والكرامة والعدالة لقد رفعت حركات دارفور منذ بداياتها شعارات العدالة ورفع التهميش وبناء السودان الجديد لكن التجربة العملية كشفت إنها لم تنجح في مغادرة البنية التقليدية ذاتها التي كان يدعي محاربتها فتحولت بعض القيادات من معارضة المركز إلى استنساخ أسوأ نماذجه وأصبح الصراع في كثير من الأحيان صراع مواقع ونفوذ ومكاسب ووزارات لا صراع مشاريع وأفكار كما أن جزءاً كبيراً من أزمة هذه الحركات يتمثل في غياب المراجعات الفكرية والسياسية الحقيقية فالحركات التي لا تراجع تجربتها ولا تعترف بأخطائها ولا تمتلك شجاعة النقد الذاتي تتحول مع الوقت إلى كيانات مغلقة تعيش على أمجاد الماضي وشعارات الحرب حتى وإن فقدت صلتها بالواقع وبالناس الذين تزعم الدفاع عنهم والحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح هي أن أزمة السودان لن تحل عبر البنادق وحدها ولا عبر شرعنة الوجود السياسي بقوة السلاح ولا عبر الخطابات العاطفية المشحونة بالمظلومية التاريخية وإنما عبر مشروع وطني عقلاني يعترف بتنوع السودان ويؤسس لدولة المواطنة والقانون والمؤسسات دولة يكون فيها الانتماء للوطن لا للقبيلة أو الحركة أو الجهة أما استمرار بعض الحركات في تقديم نفسها باعتبارها الممثل الحصري لدارفور مع عجزها عن تقديم خطاب وطني جامع فهو أمر يفاقم الأزمة بدلاً من حلها ويدفع قطاعات واسعة من السودانيين إلى التشكيك في نوايا هذه التكوينات ومستقبلها السياسي.
فدارفور أكبر من أي حركة وأعمق من أي تنظيم مسلح وأهلها ليسوا قطيعاً سياسياً يقاد بالشعارات والسلاح بل مجتمع متنوع ومعقد فيه المثقف والإداري والمزارع والرعوي والأكاديمي والمرأة والشباب ومن حقه أن يجد تمثيلاً سياسياً حقيقياً يعبر عنه لا وصاية تفرض عليه باسم البندقية إن السودانيين اليوم لا يريدون المزيد من الجيوش والحركات والشعارات الثورية المستهلكة بل يريدون دولة تحترم الإنسان وقانوناً يحكم الجميع وخطاباً سياسياً يعالج جذور الأزمة الوطنية بعيداً عن الإبتزاز العاطفي والإستقطاب الجهوي والعرقي فأي حركة سياسية أو مسلحة لا تستطيع أن تتحول من كيان إحتجاجي إلى مشروع وطني جامع ستظل أسيرة لحظة التمرد مهما امتلكت من السلاح أو النفوذ أو الدعم الخارجي ولذلك فإن السؤال الذي سيظل مطروحاً بإلحاح أمام حركات دارفور هو هل تريد أن تكون جزءاً من بناء الدولة السودانية الحديثة؟ أم مجرد قوة مسلحة تبحث عن مكان داخل أنقاضها؟ وتنتهي مع إنتهاء الفترة الانتقالية عند إجراء أول استحقاق انتخابي بذلك تكون مثل الميت الذي ينتهي مراسم عزاءه بانتهاء مراسم دفنه.
نواصل…

