ضل الحراز : علي منصور حسب الله
كشفت امتحانات الشهادة السودانية لهذا العام عن واحدة من أكثر صور التناقض قسوةً ووضوحًا في سلوك قادة المليشيات المسلحة حيث تجلّت أنانية القرار وازدواجية المعايير في أبشع صورها عندما تحوّل حق التعليم إلى امتياز يُمنح لفئة ويُحجب عن أخرى ففي الوقت الذي سُهِّلت فيه بشكل لافت مهمة أبناء القيادات وأبناء (الذوات) للالتحاق بمراكز الامتحانات داخل السودان وخارجه خاصة في مناطق ولاية شرق دارفور مثل الضعين وأبو مطارق والفردوس وعسلاية وبحر العرب بل وامتد الأمر إلى تمكين أعداد كبيرة منهم من الوصول المبكر إلى مدينة جوبا عاصمة دولة جنوب السودان كانت الصورة على الجانب الآخر قاتمة ومؤلمة هناك في ذات الإقليم وُضعت العراقيل أمام بقية الطلاب والطالبات من أبناء دارفور ومُنعوا من الوصول إلى مراكز الامتحانات في مشهد لا يمكن وصفه إلا بأنه تمييز فجّ قائم على الانتماء الاجتماعي والقبلي وبينما استطاع بعض أولياء الأمور بشق الأنفس إرسال أبنائهم إلى مصر ويوغندا وجنوب السودان وتشاد أو حتى إلى ولايات السودان الآمنة نسبيًا مثل نهر النيل والنيل الأبيض والشمالية ظل آلاف الطلاب محرومين من هذا الحق الأساسي بلا ذنب سوى أنهم لا ينتمون إلى دوائر النفوذ الأخطر من ذلك أن هذه المليشيات لم تكتفِ بالمنع بل ذهبت إلى محاولة شرعنة هذا الحرمان عبر الادعاء بإقامة (امتحانات بديلة) خاصة بها وهنا يبرز السؤال الجوهري أي جهة في العالم يمكن أن تعترف بامتحانات تُجرى خارج الإطار الرسمي للدولة؟ وأي جامعة يمكن أن تقبل بنتائج لا تستند إلى معايير قومية معترف بها؟ إن هذا السلوك لا يعكس فقط استخفافًا بمستقبل جيل كامل بل يكشف أيضًا عن محاولة لخلق واقع موازٍ تُدار فيه حياة الناس وفق أهواء القوة لا وفق مؤسسات الدولة أو القوانين المعروفة ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد تم بحسب ما تواتر من معلومات إعادة عدد من الطلاب والطالبات قسرًا إلى مدينة نيالا والزجّ بهم في سجن دقريس بتهمة (تحدي سلطة المليشيا) في سابقة خطيرة تُجرّم السعي إلى التعليم وتحوّل الطموح المشروع إلى جريمة يُعاقب عليها أي عدالة هذه التي تُعاقب الطالب لأنه أراد أن يمتحن؟ وأي قيم يُمكن أن يدّعيها من يحاصر مستقبل الأبرياء ويغلق في وجوههم أبواب الأمل؟ إن ما يحدث ليس مجرد تجاوزات معزولة بل هو نمط سلوك يعكس رؤية ضيقة للسلطة تقوم على الامتياز والاحتكار وتُفرغ الشعارات المرفوعة من مضمونها فالقوة التي تدّعي الدفاع عن الناس لا يمكن أن تبرر حرمان أبنائهم من التعليم ولا أن تميّز بينهم على أساس الانتماء أو الولاء إن حق التعليم ليس منحة تُعطى بل حق أصيل تكفله كل الشرائع والقوانين وهو حجر الأساس لأي مستقبل مستقر وما جرى في هذه الامتحانات يجب أن يُدان بوضوح لا باعتباره خطأ إداريًا بل باعتباره انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان وجريمة أخلاقية في حق جيل كامل ختامًا فإن الدفاع عن هؤلاء الطلاب والطالبات ليس موقفًا سياسيًا بل واجب إنساني وأخلاقي فالأمم لا تُبنى بالسلاح وحده بل تُبنى بالعقول التي تُمنح فرصة التعلم وبالعدالة التي تساوي بين أبنائها وكل محاولة لسرقة هذه الفرصة إنما هي سرقة لمستقبل وطن بأكمله

