لمسة يراع: إبتسام مهدي عبدالله
في الأزمنة العادية تُقاس الأمم بما تُنجزه في رخائها لكن في أوقات الشدائد تُقاس بما تحفظه من قيمها الأساسية وفي دارفور وسط هدير البنادق وتصدّع الجغرافيا الاجتماعية لم تسقط قيمة التعليم ولم تتراجع مكانة المرأة بل نهضتا معاً في مشهد يكاد يكون أسطورياً في معناه ودلالاته فقد نهضت المرأة كطائر (الفينيق) لتكتب تاريخ وتسطر ملحمة فما جرى في امتحانات الشهادة السودانية هذا العام ليس مجرد حدث تعليمي بل هو فعل مقاومة حضارية مكتمل الأركان مقاومة لم تُرفع فيها شعارات بل سارت على الأقدام وقطعت الفيافي وتحدّت الخوف وصنعت من الإصرار طريقاً إلى المستقبل
هذه الملحمة أعادت تعريف دور المرأة في دارفور لكنها في الحقيقة لم تُنشئ دوراً جديداً بل أعادت إحياء دورٍ ضاربٍ في عمق التاريخ فمنذ أيام سلطنة دارفور حين كانت (الأيا باسي) تمثل موقعاً قيادياً رفيعاً تضطلع بمسؤوليات جسيمة تجاه النساء والأطفال ظل حضور المرأة في الشأن العام حضوراً مؤسساً لا هامشياً كانت الأيا باسي بمثابة وزارة اجتماعية متكاملة تُعالج قضايا الأسرة وتضبط منظومة القيم وتُسهم في تنشئة الأجيال على ما استقر في وجدان المجتمع من أخلاق ومعايير واليوم وفي ظل حرب شرسة تعود المرأة الدارفورية إلى ذات الموقع القيادي ولكن بصيغة أكثر تعقيداً وخطورة لم تكن مجرد شاهدة على المأساة بل فاعلة في قلبها تحدّت الحصار وكسرت قيود الخوف وواجهت سياسات المنع والتجريم التي فرضتها مليشيا الدعم السريع والتي ذهبت إلى حد اعتبار السعي للجلوس لامتحانات الشهادة السودانية عملاً عدائياً أو خيانة وهنا تتجلى المفارقة حين يصبح طلب العلم جريمة في نظر السلاح يصبح التعليم أعلى درجات المقاومة لقد خرجت النساء من دائرة (الرعاية) إلى فضاء (القيادة) بعضهن حملن رسالة التعليم فصرن معلمات في العراء يدرّسن في ظروف لا تصلح حتى للحياة اليومية فضلاً عن العملية التربوية وبعضهن حملن مسؤولية النجاة فرافَقن أبناءهن في رحلات محفوفة بالمخاطر قطعن بها المسافات نحو ولايات أكثر أمناً مثل نهر النيل لا بحثاً عن رفاه بل عن فرصة للجلوس لامتحان
ولم يكن الوصول نهاية الرحلة بل بدايتها هناك أعادت النساء تشكيل المجتمع المصغّر للطلاب انتظمن في لجان خدمات أعددن الطعام نظّمن الإقامة خلقن بيئة نفسية واجتماعية تُعين على التركيز في ظل ذاكرة مثقلة بالحرب أخريات عدن إلى السبورة إلى الطباشير إلى دور المعلم والمربي فكنّ سنداً معرفياً ونفسياً لهؤلاء الطلاب
إنه انتقال نوعي في مفهوم الدور الاجتماعي من المرأة التي تدعم إلى المرأة التي تقود وتؤسس وهذا ليس غريباً على دارفور التي عرفت نماذج نسائية ملهمة عبر تاريخها من الميرم تاجة إلى الشهيدة هنادي سكين إلى الكمرد سارة وهن رموز تختصر مسيرة طويلة من الشجاعة والمبادرة ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه التجربة هو التفوق العددي للطالبات هذه ليست مجرد مصادفة إحصائية بل مؤشر عميق على تحولات اجتماعية وثقافية فبنات دارفور وهن امتداد لتاريخ طويل من القوة والصمود أثبتن أنهن الأكثر إصراراً على انتزاع حقهن في التعليم حتى في أحلك الظروف في مجتمع أنهكته الحرب اختارت الفتيات أن يكنّ في مقدمة مشروع الحياة لا في هامشه هذه الظاهرة تستحق التوقف والتحليل فالتعليم هنا لم يعد مجرد وسيلة للترقي الأجتماعي بل أصبح أداة للبقاء وسلاحاً في وجه الانهيار
والمرأة بحكم موقعها في الأسرة والمجتمع كانت الأقدر على إدراك هذه الحقيقة فدفعت بكل ما تملك من طاقة لضمان آستمرار هذا الخيط الرفيع الذي يربط الأجيال بالمستقبل إن ما قامت به نساء دارفور يطرح أسئلة كبيرة على الدولة والمجتمع معاً أين تقف المؤسسات الرسمية من هذا الجهد الشعبي الجبار؟ كيف يمكن تحويل هذه الروح إلى سياسات داعمة للتعليم في مناطق النزاع؟ وكيف يمكن الآعتراف بدور المرأة ليس فقط كضحية للحرب بل كصانعة للحياة في قلبها؟ كما يفتح هذا المشهد الباب لإعادة النظر في مفاهيم القيادة نفسها فالقيادة ليست دائماً في مراكز القرار الرسمي بل قد تكون في أمٍ تقطع مئات الكيلومترات لتضمن مستقبل ابنها أو في معلمة تُصر على أداء رسالتها تحت الخطر أو في مجموعة نساء ينظمن حياة عشرات الطلاب في بيئة قاسية
إنها قيادة أخلاقية تستند إلى الإيمان بالواجب لا إلى السلطة قيادة تُبنى على التضحية لا على الآمتياز في النهاية يمكن القول إن امتحانات الشهادة السودانية هذا العام لم تختبر الطلاب وحدهم بل إختبرت المجتمع بأكمله وفي هذا الإختبار نجحت نساء دارفور بامتياز لم يكتفين بحماية فكرة التعليم بل أعَدْن تعريفها وربطنها بالكرامة والحرية والمستقبل التحية لنساء دارفور معلماتٍ وأمهاتٍ ومناضلات في نهر النيل وفي كل بقعة حملن فيها هذا الهم الثقيل والتحية لبنات دارفور اللواتي يُراهن عليهن في صناعة غدٍ مختلف غدٍ تُهزم فيه الحرب أمام إرادة الحياة..
وشكراً نساء نهر النيل اللائي انضمن لركب نسوة دارفور وهن رافعات شعار لستم في غربة وكل إجزاءه لنا وطن نساء نهر النيل ميارم الشمال وكنداكات السودان قدمن ملحمة أخري لا تقل عن ملحمة نساء دارفور فهؤلاء النسوة جميعأ لم ينقذن جيلاً فحسب بل أنقذن فكرة الوطن نفسها…

