ضل الحراز : علي منصور حسب الله
من أخطر ما أفرزته الحرب السودانية وخطابها السياسي المعاصر ذلك الميل المتزايد لدى بعض منسوبي الحركات المسلحة إلى احتكار الحديث باسم دارفور وكأن الإقليم بكل تعقيداته الإثنية والاجتماعية والسياسية قد اختزل في تنظيمات مسلحة أو قيادات تفاوضت في الفنادق ثم عادت لتعلن نفسها وصيةً على ملايين البشر هذا الخطاب لا يختلف كثيراً عن صناعة المظلومية المغلقة التي تُستخدم كسلاح سياسي لإسكات أي نقد أو اعتراض بحيث يصبح مجرد انتقاد مسؤول أو قائد حركة أو صحفي ينتقد أداء وزير يتبع للحركات مدخلاً لاتهامه بمعاداة دارفور أو استهداف أهلها إن هذه الطريقة في التفكير تعيد إنتاج نموذج سياسي قائم على تخويف الناس أخلاقياً وسياسياً شبيه بما يُعرف عالمياً باستخدام تهمة معاداة السامية خارج سياقها الحقيقي حين تتحول القضية من نقاش سياسي مشروع إلى أداة لابتزاز الخصوم وإسكات الرأي الآخر وهذه هي طريقة مبارك اردول فليس كل من انتقد الحركة الفلانية أو المسؤول المحسوب على دارفور عدواً لدارفور وليس كل اختلاف سياسي عداءً إثنياً أو جهويّاً فالحقيقة التي ينبغي أن تُقال بوضوح هي أن الحركات المسلحة منذ اتفاق أبوجا وحتى اتفاق جوبا لا تمثل كل دارفور تماماً كما أن مليشيا الدعم السريع لا تمثل دارفور ولا تمثل القبائل العربية في الإقليم فدارفور أكبر من أي حركة وأوسع من أي قائد وأعمق من أي اتفاق سياسي مؤقت فيها العربي وغير العربي وفيها القبلي والمدني وفيها الرعاة والمزارعون وفيها من حمل السلاح ومن رفضه وفيها من دفع ثمن الحرب من دمه وأرضه وكرامته دون أن يجد لنفسه صوتاً في موائد التفاوض لقد وقعت القوى المسلحة جميعها في خطأ فادح حين حاولت احتكار الحديث باسم الإقليم وتحويل قضية دارفور من قضية عدالة وتنمية ومواطنة متساوية إلى قضية محاصصة سياسية ومقاعد وزارية بل حولت دارفور إلى ضيعة خاصة لبعض العائلات والأسر ولذلك يجب التمييز بوضوح بين حصة الحركات وحصة دارفور فما تناله الحركات من مواقع في السلطة هو نتيجة اتفاقات سياسية تخصها هي نحن ندعو الدولة إلى الالتزام بها لكن يجب أن يعرفوا أن ذلك ليس تفويضاً شعبياً مطلقاً من أهل الإقليم فالوزير الذي يأتي عبر اتفاق سلام لا يصبح تلقائياً ممثلاً لكل إنسان في دارفور كما أن المناصب لا تمنح أصحابها صكوك احتكار الحديث باسم الناس والأخطر من ذلك هو تحويل العمل العسكري الوطني إلى أداة للضغط السياسي والابتزاز فإذا كانت القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة تقاتل اليوم دفاعاً عن السودان ووحدته ومؤسساته فإن هذا الدور يجب أن يُنظر إليه باعتباره واجباً وطنياً لا منّةً سياسية ولا فاتورة تُقدَّم لاحقاً مقابل زيادة نصيب السلطة والثروة أو صك محافظة على الامتيازات الممنوحة لأن القتال حين يتحول إلى وسيلة للحصول على المقاعد والمكاسب الشخصية يفقد معناه الوطني ويتحول إلى نشاط قائم على المقابل والغنيمة.
وهنا تكمن المعضلة الأخلاقية الكبرى إذ يصبح المقاتل الذي يفترض أنه يحمل قضية وطنية أقرب إلى مقاتل مأجور ينتظر الثمن السياسي والعائد الشخصي وتتحول القيادة من مشروع تحرر أو إصلاح إلى ما يشبه شركة تؤجر الجنود للعمل القتالي مقابل نصيب من السلطة وهذا أخطر ما يمكن أن تنحدر إليه الحركات المسلحة لأن السلاح عندها لا يعود أداة للدفاع عن الناس بل وسيلة تفاوض لتحسين المواقع الشخصية إن الوطنية لا تُقاس بعدد البنادق ولا بعدد المقاعد الوزارية وإنما بمدى الالتزام بفكرة الدولة نفسها والدولة لا تُبنى بمنطق الابتزاز الجهوي ولا بالتهديد السياسي المستتر وإنما ببناء عقد وطني يتساوى فيه الجميع دون ادعاء امتلاك الحقيقة أو احتكار تمثيل الأقاليم.
لقد عانت دارفور كثيراً من التوظيف السياسي لمعاناتها كما عانت من النخب التي استثمرت الدم واللجوء والنزوح لتحسين شروطها التفاوضية بمثلما عانت من الذين يلبسون السياسة ثوب القبيلة بينما ظل المواطن البسيط في المعسكرات والقرى يدفع الثمن الحقيقي للحرب انشغل كثير من القادة بتقاسم المناصب وتوزيع النفوذ وصناعة الولاءات ولذلك فإن النقد الصريح لهذه التجربة ليس عداءً لدارفور بل دفاع عنها وعن حق أهلها في ألا يُختزلوا داخل جماعات مسلحة أو زعامات سياسية ترتدي ثوب القبيلة إن دارفور ليست ملكاً للحركات المسلحة كما أنها ليست حكراً على مليشيا الدعم السريع أو ضيعة خاصة بقبيلة أو تيار سياسي هي جزء أصيل من السودان وأهلها ليسوا كتلة واحدة تُقاد بالشعارات أو تُستخدم كورقة ضغط في صراعات السلطة ومن حق السودانيين جميعاً أن يناقشوا أداء الحركات وينتقدوا قادتها ويرفضوا تحويل البندقية إلى وسيلة دائمة لاقتسام الدولة.
وخلال السنوات الماضية ارتكبت الحركات المسلحة أخطاء سياسية وأخلاقية وتنظيمية وأخطأ بعض وزراء الحركات في حق الدولة وفي حق دارفور نفسها وهي أخطاء كبيرة تحتاج إلى مراجعة شجاعة وصريحة لا إلى حملات تخوين أو اتهامات جاهزة لكل ناقد أو مخالف فالتجارب السياسية لا تُقدَّس والقيادات ليست فوق المحاسبة والقضايا العادلة يمكن أن تُفسدها الممارسة الخاطئة حين تتحول من مشروع وطني إلى سوق للمناصب والامتيازات وحاكورة عائلية.
إن أخطر ما يهدد السودان اليوم ليس فقط السلاح بل عقلية احتكار الوطنية واحتكار التمثيل واحتكار الحديث باسم الضحايا وحين تتحول المأساة إلى رأس مال سياسي يصبح السلام نفسه مهدداً وتتحول الاتفاقيات إلى مجرد محطات لإعادة توزيع النفوذ لا لإنهاء جذور الأزمة ولهذا فإن الوقت قد حان للتمييز بوضوح بين دارفور كقضية وطنية عادلة وبين الحركات المسلحة كتنظيمات سياسية قابلة للنقد والمساءلة فالخلط بين الأمرين هو أحد أكبر أسباب استمرار الأزمة وتعقيدها حتى اليوم.
نواصل

