تقرير: دارفور الآن 

كشف تقرير حديث صادر عن مجموعة “محامو الطوارئ” عن تفاصيل جديدة ومقلقة بشأن اعتقال عدد من الناشطات النسويات والصحفيات في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، في خطوة وصفها التقرير بأنها تمثل تصعيداً خطيراً ضد العمل المدني والإعلامي في مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع.

وبحسب التقرير، فإن عمليات الاعتقال بدأت منذ 26 فبراير 2026، حيث نفذت قوة مسلحة تابعة لمليشيا الدعم السريع حملات مداهمة لمنازل عدد من الناشطات، جرى خلالها توقيفهن دون إبراز أوامر قبض قانونية، وفي أجواء اتسمت بالترهيب والتخويف. ويؤكد التقرير أن هذه الإجراءات جاءت على خلفية نشاط مدني مشروع تمثل في تنظيم ورشة عمل حول حقوق المرأة في المعاهدات الدولية، عُقدت في مطلع يناير الماضي.

بيئة مقيدة للعمل المدني:

يشير التقرير إلى أن مدينة نيالا، التي تخضع لسيطرة مليشيا الدعم السريع، شهدت خلال الأشهر الماضية تضييقاً متزايداً على أنشطة المنظمات المدنية، خاصة تلك العاملة في مجالات حقوق الإنسان وتمكين المرأة والعمل الصحفي. وقد أنشأت المليشيا، وفقاً للتقرير، كياناً باسم “الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية”، أوكلت إليه مهمة تنظيم ومنح تصاريح لأنشطة المنظمات، ما جعل العمل المدني مرهوناً بإجراءات معقدة وقابلة للتسييس.

ويرى معدو التقرير أن هذه البيئة المقيدة أسهمت في خلق مناخ من الخوف وسط الناشطين، خصوصاً مع تزايد حالات الاستدعاء والاحتجاز، الأمر الذي دفع العديد من المنظمات إلى تقليص أنشطتها أو إيقافها بالكامل.

ورشة عمل حول “حقوق المرأة” تقود منظميها إلى مراكز الاحتجاز

أسماء المعتقلات وتفاصيل الاستهداف:

وثّق التقرير أسماء سبع معتقلات، بينهن ناشطات بارزات في العمل النسوي والصحفي، وهن: د. مناهل مصطفى، سارة آدم وماجدة من منظمة تنمية نساء السودان، ازدهار عبد المنعم من شبكة “صحفيات من أجل السلام”، الصحفية إشراقة عبد الله، إلى جانب زهراء محمد الحسن ومواهب إبراهيم.

ويكشف التقرير أن السبب المباشر لاعتقال هؤلاء النساء هو مشاركتهن في تنظيم ورشة عمل حول حقوق المرأة يومي 3 و4 يناير 2026، رغم حصولهن على تصاريح رسمية من الجهة المختصة. ومع ذلك، واجهن لاحقاً اتهامات متعددة، من بينها إجراء مقابلات مع ضحايا العنف الجنسي، والتعاون مع جهات حكومية في بورتسودان، والعمل الاستخباراتي لصالح الجيش، بالإضافة إلى جمع معلومات حساسة.

ويعتبر التقرير هذه الاتهامات ذات طابع فضفاض، وتفتقر إلى أدلة واضحة، مشيراً إلى أنها تُستخدم في كثير من الأحيان لتبرير التضييق على النشطاء والصحفيين.

ظروف احتجاز مقلقة:

وبحسب ما أورده التقرير، فإن المعتقلات محتجزات في مراكز لا تتوفر فيها أدنى ضمانات الحماية القانونية أو الإنسانية، حيث مُنعن من التواصل مع أسرهن أو الحصول على تمثيل قانوني. كما لم يتم الإعلان عن أماكن احتجازهن بشكل رسمي، ما يزيد من مخاوف تعرضهن لانتهاكات إضافية.

ويحذر التقرير من أن استمرار هذا الوضع قد يعرض حياة المعتقلات للخطر، خاصة في ظل غياب الرقابة المستقلة على أماكن الاحتجاز.

أسر المعتقلات تُحرم من الزيارة وسط مخاوف على أوضاعهن الصحية

 

انتهاكات قانونية جسيمة:

خلص التقرير إلى أن ما جرى يمثل انتهاكاً واضحاً لعدد من القوانين والمواثيق الدولية، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يكفل في مادته التاسعة الحماية من الاعتقال التعسفي، وفي مادته التاسعة عشرة حرية التعبير، إضافة إلى المادة الثانية والعشرين المتعلقة بحرية التنظيم.

كما أشار التقرير إلى مخالفة هذه الإجراءات لقواعد “نيلسون مانديلا” الخاصة بمعاملة السجناء، والتي تنص على ضرورة ضمان الكرامة الإنسانية للمحتجزين وتوفير حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع العالم الخارجي والحصول على المساعدة القانونية.

ويرى خبراء قانونيون أن هذه الانتهاكات، في حال ثبوتها، قد ترقى إلى جرائم تستوجب المساءلة الدولية، خاصة في ظل تكرار مثل هذه الممارسات في مناطق النزاع.

 

دعوات للإفراج والمساءلة:

في ختام التقرير، وجهت مجموعة “محامو الطوارئ” جملة من التوصيات، دعت فيها مليشيا الدعم السريع إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلات، والكشف عن أماكن احتجازهن، وضمان سلامتهن الجسدية والنفسية.

كما طالبت “الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية” بعدم استخدام التصاريح كوسيلة لاستهداف المنظمات، والعمل على توفير بيئة آمنة للعمل الإنساني والمدني.

ودعا التقرير المنظمات الدولية إلى تكثيف جهودها في توثيق هذه الانتهاكات، وإطلاق حملات مناصرة دولية، وتقديم الدعم القانوني للضحايا. كذلك ناشد المجتمع المدني السوداني توحيد صفوفه وتعزيز آليات الحماية والتوثيق، خاصة للمدافعات عن حقوق الإنسان.

اتهامات بالعمل الاستخباراتي والتعاون مع جهات دولية دون أدلة

مخاوف من اتساع دائرة الانتهاكات:

يأتي هذا التقرير في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع دائرة الانتهاكات ضد الناشطين والصحفيين في مناطق النزاع بالسودان، وسط غياب مؤسسات العدالة وضعف آليات المساءلة.

ويرى مراقبون أن استمرار هذه الانتهاكات دون ردع قد يؤدي إلى تقويض ما تبقى من الفضاء المدني، ويهدد جهود بناء السلام والاستقرار، خاصة في إقليم دارفور الذي يعاني أصلاً من هشاشة الأوضاع الأمنية والإنسانية.

في المقابل، يظل مصير المعتقلات مجهولاً، في انتظار تحركات محلية ودولية قد تسهم في إنهاء معاناتهن، وإعادة الاعتبار لحقوقهن الأساسية التي كفلها القانون الدولي.

Exit mobile version