خاص: – دارفور الآن
لم تكن سلمى جمال (اسم مستعار) تتخيل أن يكون طريقها إلى قاعة الامتحان سيمر عبر كل هذا الخوف. في ليلةٍ حالكة، غادرت منزل أسرتها في مدينة نيالا بصمتٍ تام، دون أن تودع حتى أقرب جيرانها. كانت تحمل حقيبة صغيرة، لا تضم كتبها الدراسية، بل بعض الملابس.
تقول سلمى لـ”دارفور الآن”: “لم نكن نخاف من الامتحان… كنا نخاف من الطريق إليه.”
سلمى واحدة من آلاف الطلاب والطالبات الذين اضطروا لمغادرة مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع، متجهين نحو الولايات الآمنة، وعلى رأسها ولاية نهر النيل، لأداء امتحانات الشهادة الثانوية للعام 2026، في رحلة محفوفة بالمخاطر والانتهاكات.
رحلات سرية وخوف دائم
بحسب إفادات عدد من الطالبات اللاتي تحدثن لـ”دارفور الآن”، فإن مغادرة مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع لأداء الامتحانات لم تكن أمراً سهلاً. فقد فرضت المليشيا قيوداً مشددة على حركة المدنيين، خاصة الطلاب، ومنعت الكثيرين من مغادرة المدن، فيما تم اعتقال العشرات أثناء محاولتهم السفر.
وتشير إحدى الطالبات، التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، إلى أن مجرد الحديث عن نية الخروج لأداء الامتحانات كان كفيلاً بوضع الطالب تحت دائرة الشبهات، مضيفة: “كنا نخفي وجهتنا حتى عن أقرب الناس، لأن أي معلومة قد تصل إليهم تعني الاعتقال أو المنع.”
طالبة: لم نكن نخاف من الامتحان… كنا نخاف من الطريق إليه
حيل اضطرارية… وتقارير طبية مزيفة
أمام هذا الواقع، لجأ العديد من الطلاب إلى وسائل ملتوية للنجاة. بعضهم استخرج تقارير طبية مزيفة بحجة العلاج خارج الولاية، كوسيلة للحصول على إذن بالمغادرة. بينما سلك آخرون طرقاً غير رسمية، معرضين أنفسهم لمخاطر الطريق والانتهاكات.
رسوم باهظة مقابل الحرية
لم تكتفِ المليشيا بتقييد الحركة، بل فرضت رسوماً مالية على الراغبين في المغادرة، تراوحت بين 80 إلى 150 ألف جنيه للفرد الواحد، وهو مبلغ يفوق قدرة العديد من الأسر التي تعاني أصلاً من أوضاع اقتصادية متدهورة. وتقول إحدى الأمهات: “دفعنا كل ما نملك حتى يخرج ابننا… لم نفكر في شيء سوى أن يصل إلى الامتحان حياً.”
طالبة: كنا نخفي وجهتنا حتى عن أقرب الناس… أي معلومة كانت تعني الاعتقال
كتب تُترك… وأحلام تُؤجل
في خضم هذه الرحلة القاسية، اضطر العديد من الطلاب إلى ترك كتبهم الدراسية خلفهم، خوفاً من إثارة الشبهات أثناء التفتيش. وهو ما انعكس سلباً على استعدادهم الأكاديمي، حيث وصل بعضهم إلى مراكز الامتحانات دون مراجعة كافية. ورغم ذلك، يصر الطلاب على المضي قدماً، متمسكين بحقهم في التعليم، كآخر ما تبقى لهم في ظل واقعٍ مضطرب.
دموع على الطريق
في رواية مؤثرة، تروي المعلمة فاطمة آدم (اسم مستعار) من مدينة المجلد بولاية غرب كردفان – فضّلت حجب اسمها لأسباب أمنية – تفاصيل رحلة محفوفة بالمخاطر، وهي تجهش بالبكاء.
رافقت المعلمة 9 طالبات من مدرستين مختلفتين، في محاولة لإيصالهن إلى أحد مراكز الامتحانات الآمنة. تقول إن الرحلة استغرقت خمسة أيام كاملة، وسط إجراءات تفتيش مشددة، وملاحقات مستمرة.
وتضيف: “كنا نسير بحذر شديد… أي لفت نظر كان ممكن ينهي الرحلة كلها.”
تؤكد المعلمة أن نقاط التفتيش كانت الأكثر خطورة، حيث تعرضن لتحقيقات متكررة، شملت تفتيش الهواتف بدقة. وتشير إلى أن أحد الهواتف خضع للتفتيش لمدة أربع ساعات كاملة، في محاولة لاكتشاف وجهتهن الحقيقية.
وتقول: “لو عرفوا أننا ذاهبات للامتحانات، كان ممكن يطلقوا النار علينا.”
معلمة: جلدوا بعض الطالبات… رغم أننا كنا نبحث فقط عن حقوق أبنائنا في التعليم
تمويه للبقاء… وانتهاكات قاسية
توضح المعلمة أن الطالبات لجأن إلى أساليب تمويهمتعددة، حيث تم توزيع الأدوار بينهن؛ فادعت إحداهن المرض، بينما قُدمت روايات عن الحاجة لإجراء عملية جراحية ومتابعة طبية، لتفادي الشبهات.
ورغم ذلك، فرضت المليشيا مبالغ مالية بلغت نحو 100 ألف جنيه على كل فرد، إضافة إلى 250 ألف جنيه مقابل مغادرتهم.
وتكشف الشهادة عن تعرض بعض الطالبات للجلد، في وقت عانين فيه من انعدام الطعام والماء طوال الرحلة، وسط حالة من الخوف والهلع.
طالبة: لو عرفوا أننا ذاهبات للامتحانات… كان ممكن ان يطلقوا النار علينا
منع الطلاب… واستثناء أبناء القيادات
في مفارقة لافتة، وبينما منعت المليشيا الطلاب من مغادرة مناطق سيطرتها بحجة تنظيم امتحانات داخلية، كشفت إفادات رسمية عن قيام قيادات في ذات المليشيا بترتيب أوضاع أبنائها للجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية التي تنظمها الحكومة السودانية.
وفي هذا السياق، أكد الأستاذ أحمد إسحق الشوالي، مدير التعليم بولاية جنوب دارفور، أن عدداً من قيادات ما يُعرف بتحالف “تأسيس” أرسلوا أبناءهم إلى دول مجاورة مثل أوغندا وجنوب السودان، إضافة إلى معسكرات في تشاد، فضلاً عن مراكز امتحانات داخل السودان، حيث اكتملت إجراءات تسجيلهم.
وأوضح في حوار مع “دارفور الآن” أن بعض هؤلاء الطلاب جلسوا بالفعل للامتحانات ضمن المراكز المعترف بها، بما في ذلك الامتحان البديل المقرر في 11 مايو، مشدداً على أن الطلاب لا يتحملون مسؤولية تصرفات ذويهم.
وأضاف الشوالي أن هذه الممارسات تكشف تناقضاً واضحاً، حيث يتم تضليل بقية الطلاب وأسرهم بادعاء وجود امتحانات داخل مناطق السيطرة، في حين يتم تأمين مستقبل أبناء القيادات سراً.
إصرار رغم الألم
في ولاية نهر النيل، حيث تستضيف مراكز الامتحانات آلاف الطلاب الوافدين، تتجلى قصص الصبر والإصرار. طلاب وصلوا بعد أيام من السفر، بعضهم دون أوراق مكتملة، وآخرون يحملون آثار معاناة نفسية وجسدية.
ورغم كل ذلك، سيجلسون إلى مقاعد الامتحان، متحدين الخوف، ومتمسكين بأملٍ بسيط: أن يكون هذا الامتحان بوابتهم نحو مستقبلٍ أفضل.


