ضل الحراز: علي منصور حسب الله
رد كثيرون دفاعاً عن الحركات المسلحة وكعادتهم لجأ بعضهم إلى سلاح التخوين وإطلاق أوصاف لا علاقة لها بجوهر النقاش المطروح فبدلاً من مواجهة الأسئلة الحقيقية المتعلقة بأداء هذه الحركات ومستقبل الإقليم والدولة في الملف السياسي إنصرفوا إلى توزيع صكوك الوطنية واتهامي كما يتهمون كل ناقد غيري كعادتهم بأنه معادٍ للحركات أو متحامل عليها على الطريقة الأردولية فهذه هي الأسطوانة المشروخة نفسها التي استهلكت حتى أصبحت وسيلة للهروب من أي مساءلة سياسية أو أخلاقية أو عسكرية فما ظللنا نؤكده مراراً هو أن قتال الشباب المنضوين تحت رايات الحركات المسلحة لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإبتزاز الدولة أو إلى منَّة على الوطن فالدفاع عن السودان شرف في حد ذاته وليس صفقة سياسية تمنح مقابلها الامتيازات والمناصب والحصانات هؤلاء الشباب الذين يقاتلون في الميدان ويدفعون أرواحهم ثمناً لحياة كريمة نعيشها كلنا من بينهم إخوة وأبناء لنا فمن حقهم أن يسأل عنهم كيف يعيشون؟ كيف تُدار شؤونهم؟ وهل يجدون الحد الأدنى من الرعاية والإنصاف الذي يجده قادتهم؟ وطالما أن المدافعين عن الحركات يتحدثون كثيراً عن القوة المشتركة ودورها في القتال فمن المشروع أن نطرح أسئلة مباشرة لا تحتمل المواربة هل يهتم قادة الحركات فعلاً بالمقاتلين الذين يقفون في الخنادق؟ هل تمت ترقية هؤلاء المقاتلين تقديراً لتضحياتهم بأسس عادلة كما تمت ترقية آخرين تربطهم علاقات خاصة بمراكز النفوذ داخل الحركات؟ مثل المساعد حركة الذي تمت ترقيته إلى رتبة النقيب ومجند حركة التي تمت ترقيتها إلى رتبة الملازم؟ هل تصل المرتبات بانتظام إلى الجنود البسطاء كما تصل إلى بعض القادة الذين يتباهون علناً في مقاطع الفيديو بأن مرتباتهم تصل إليهم أول كل شهر كما فعل المساعد حركة الذي تمت ترقيته إلى رتبة النقيب بينما يعيش كثير من المقاتلين أوضاعاً بائسة ويعاني بعضهم الجوع والتشرد والإهمال؟ هل سمعتم قصة القائد الميداني وأحد اسرى دخول ام درمان في مايو 2008 وقضى أكثر من عشرة سنة في سجون الإنقاذ مع الدكتور عبد العزيز عشر واليوم يعمل عربجيا في قرية الهدي بالجزيرة بينما تصل المرتبات إلى التقيب حركة المترقي من رتبة المساعد في مكانه وهل يعلم الذين يتحدثون عن القوات بأن أمثال عبد العظيم بوب ورفاقه من الجرحى لم يتلقوا العلاج حتى اليوم بينما سافر البعض للعلاج في عواصم الدنيا؟ إن المقاتل الذي يواجه الموت يومياً لا يحتاج إلى خطابات حماسية بل يحتاج إلى قيادة مسؤولة تعرف معنى الواجب تجاه جنودها غير أن الواقع يشير إلى فجوة ضخمة بين القيادات والقواعد بين من يعيشون في الفنادق والمكاتب المكيفة ومن يموتون عطشاً وجوعاً في الصحارى والخنادق وبين من يعيشون على رفاهية المواقع الوزارية وبين من يبحثون عن لقمة العيش ليواصلوا القتال إن تنميط الناشطين على خطاب المظلومية لا يخدم الحركات والاعتماد على اللايفاتية وحدهم مع تجاهل الإعلام المحترف يقود إلى الفشل والرد على العنصريين أمثال عمسيب بخطاب عنصري أو الدفاع عن الوزير الفلاني بخطاب أردولي يكشف عن ضحالة فكرية وسياسية ويقود إلى المحرقة ثم ماذا عن الفاشر؟ أليست كارثة سقوطها أو حصارها الطويل نتيجة مباشرة للتقصير وسوء الإدارة؟ ألم يكتب قادة ميدانيون ومسؤولون داخل الحركات نفسها منذ وقت مبكر محذرين من انهيار الأوضاع هناك؟ ألم تكن أزمة الغذاء والتموين والتنسيق من الأسباب الأساسية التي قادت إلى ما حدث؟ لقد كتب إلي أحد كبار قادة الحركات المسلحة وهو شخص تولّى مواقع مرموقة داخل هذه التنظيمات رسالة مطولة عبّرت بوضوح عن حجم الإحباط داخل صفوفهم ومما جاء فيها (الأمر المقلق والمزعج لشخص قيادي في الحركات المسلحة مثلي أن يتفق تماماً مع ما وجهته من انتقادات إلى قيادات هذه الحركات دعك من غياب المشروع الوطني الحقيقي والمرجعية الفكرية والتصور السياسي البديل للحكم لتجاوز أسباب فشل النخب السياسية منذ الاستقلال والمتمثلة في الفشل المريع لإدارة التنوع والذي أدى إلى ما يعرف الآن بالتهميش السياسي والاقتصادي والثقافي ودعك من كل ذلك وانظر إلى مشاركة القوة المشتركة في حرب الكرامة من أجل المحافظة على السودان كبلد موحد والمحافظة على إقليم دارفور ضمن هذا السودان وحماية أهله بالدرجة الأولى أداء القوة المشتركة كان ولا يزال فوق الممتاز رغم التضحيات الجسام لكن الفشل في إنقاذ الفاشر تتحمل مسؤوليته قيادات هذه الحركات بالدرجة الأولى والسؤال الجوهري الآن ما الذي يمنع قادة المشتركة من تحريك القوة الموجودة في كردفان والانطلاق بها إلى دارفور والاستعانة بالقوة الموجودة هناك من مشتركة ومستنفرين وكل قطاعات الشباب الجاهزة للقتال بإمكاناتها الذاتية لتحرير الإقليم وفرض أمر واقع يفشل مشروع التقسيم؟
المليشيا الآن في أضعف حالاتها ودارفور تكاد تخلو من قوة فاعلة تستطيع الوقوف أمام المشتركة فلماذا هذا السكون؟ ولماذا ندور بأبنائنا في محيط كردفان كأنهم في ساقية جحا نهلكهم بالتحركات اليومية دون حسم حقيقي؟ انتهى الاقتباس
هذه الرسالة تكشف حقيقة مهمة للغاية وهي أن الانتقادات الموجهة للحركات المسلحة لم تعد صادرة فقط من خصومها أو المختلفين معها سياسياً بل أصبحت تخرج من داخل البيت نفسه ومن شخصيات تدرك حجم الخلل والتناقض الذي تعيشه هذه التنظيمات
المشكلة الأساسية أن كثيراً من قيادات الحركات لم تعد تنظر إلى الحرب باعتبارها معركة وطنية بل باعتبارها وسيلة للحفاظ على النفوذ السياسي والامتيازات الشخصية ولذلك أصبح استمرار الأزمة في بعض الأحيان أكثر فائدة لها من نهايتها فالحرب بالنسبة لبعضهم تحولت إلى استثمار سياسي ومصدر سلطة وثروة لا إلى مشروع تحرير أو بناء دولة كما أن أخطر ما فعلته هذه الحركات خلال السنوات الماضية هو احتكار الحديث باسم دارفور وكأن الإقليم ملكية خاصة أو إرث سياسي حصري لها والحقيقة أن دارفور أكبر من كل الحركات وأوسع من كل القيادات وأعمق من أن تختزلها مجموعة تحمل السلاح أو تتحدث باسم القبائل أو تدّعي الوصاية على الناس قلتها سابقاً علة دارفور في قبلنة السياسة والأزمة السودانية في تعاطي السياسة بجلباب القبيلة أو الجهة فدارفور ليست بندقية وليست اتفاق سلام وليست حاكورة يحق لأبنائها أن يحكموا وليست حقيبة وزارية وليست منبراً للمساومات دارفور تاريخ طويل من التعايش والتنوع والثقافة والبطولات ولا يمكن اختزال أهلها في جماعات سياسية متصارعة أو نخب تعيش على خطاب المظلومية دون أن تقدم مشروعاً حقيقياً لبناء الإنسان والدولة أو مجموعات أخرى لا تعرف أن تقدم نفسها إلا من خلال مكون قبلي لقد ثبت بالتجربة أن السلاح وحده لا يصنع مشروعاً سياسياً وأن الحركات التي رفعت شعارات العدالة والتهميش سقط كثير منها في ذات الممارسات التي كانت تنتقدها المحسوبية والفساد والقبلية واحتكار القرار والتعامل مع الدولة بمنطق الغنيمة إن السودان اليوم بحاجة إلى خطاب وطني جديد يرفض الابتزاز بالسلاح ويمنع التحدث بإسم القبيلة ويرفض تجاهل مظالم الأقاليم خطاب يعترف بأن أزمة السودان ليست أزمة دارفور وحدها بل أزمة دولة فشلت نخبها جميعاً مدنية وعسكرية ومسلحة في بناء مشروع وطني جامع
أما الاستمرار في تقديم الحركات المسلحة باعتبارها الممثل الوحيد لدارفور أو التعامل مع أي نقد لها باعتباره عداءً للإقليم وأهله فذلك لن يقود إلا إلى المزيد من الانقسام والانهيار لأن الأوطان لا تُبنى بالقداسة السياسية ولا تُدار بالعواطف وإنما بالمحاسبة والشفافية والمشروع الوطني الحقيقي
ونواصل…

