وكالات: دارفور الآن
كشفت منصة إيكاد، المتخصصة في تحليل بيانات المصادر المفتوحة وصور الأقمار الصناعية، عن تطورات عسكرية لافتة في المشهد الليبي خلال الفترة الممتدة من أبريل إلى مايو 2026، تشير إلى إعادة تموضع عسكري واسع النطاق في شرق وجنوب البلاد، وسط تزايد مؤشرات التداخل بين الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الانقسام السياسي والعسكري في ليبيا، وتعدد مراكز القوة على الأرض، حيث تسيطر قوات المشير خليفة حفتر على مساحات واسعة من الشرق والجنوب، مدعومة بشبكات عسكرية خارجية، من بينها عناصر روسية تنشط ضمن ما يُعرف بـ”الفيلق الإفريقي”.
توسع عسكري في قاعدة الخادم
أبرز ما رصدته المنصة يتمثل في التوسع الملحوظ داخل قاعدة “الخادم” الجوية الواقعة في شرق ليبيا، وهي إحدى القواعد الاستراتيجية التابعة لقوات شرق ليبيا. وأظهرت صور الأقمار الصناعية الحديثة أعمال تطوير تشمل توسعة المدارج، وإنشاء مرافق لوجستية جديدة، ما يعكس رفع القدرة التشغيلية للقاعدة.
نشاط ملحوظ في محيط مطار الواو جنوب ليبيا
وبحسب تحليل إيكاد، فإن القاعدة تشهد نشاطاً متزايداً لعناصر أجنبية يُعتقد أنها مرتبطة بالقوات الروسية، في إطار دعم عملياتها داخل ليبيا، وتعزيز نفوذها في شمال أفريقيا والساحل. ويُنظر إلى هذا التوسع باعتباره جزءاً من إعادة تشكيل البنية العسكرية في الشرق الليبي، بما يمنح تلك القوات قدرة أكبر على الحركة والدعم اللوجستي.
نشاط مرتزقة قرب الحدود السودانية
وفي جنوب ليبيا، رصد التقرير تحركات وُصفت باللافتة لعناصر مرتزقة يُعتقد أنهم من الجنسية الكولومبية، ينشطون في مناطق قريبة من الحدود مع السودان. وتثير هذه التحركات مخاوف من تحول الجنوب الليبي إلى ساحة عبور ونقطة ارتكاز لقوات غير نظامية عابرة للحدود.
ويرى التقرير أن هذه الأنشطة لا يمكن فصلها عن حالة السيولة الأمنية التي تشهدها المنطقة، حيث تتداخل شبكات التهريب والصراع المسلح مع مصالح أطراف إقليمية، ما يجعل الجنوب الليبي منطقة شديدة الحساسية أمنياً.
ارتباطات محتملة مع قوات سودانية
وفي سياق متصل، أشار التقرير إلى تحركات مرتبطة بكتيبة “سبل السلام”، وهي تشكيل مسلح يُعتقد أن له ارتباطات ميدانية مع قوات الدعم السريع. ويثير هذا الارتباط تساؤلات حول طبيعة التنسيق القائم بين هذه المجموعات في مناطق الحدود الليبية السودانية، خاصة في ظل استمرار الحرب في السودان منذ أبريل 2023.
ويحذر محللون من أن أي تداخل بين هذه الأطراف قد يسهم في توسيع نطاق الصراع السوداني، عبر فتح مسارات دعم وإمداد جديدة عبر الأراضي الليبية، بما يعقد جهود احتواء الأزمة.
تحركات في مطار الواو:
كما رصد التقرير نشاطاً متزايداً في محيط مطار الواو جنوب ليبيا، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية وجود تحركات لآليات ومعدات يُرجح استخدامها لأغراض لوجستية أو عسكرية. ويُعتقد أن هذا المطار قد يُستخدم كنقطة دعم لوجستي أو محطة عبور للقوافل المسلحة.
نشاط روسي متزايد داخل شرق ليبيا
ويكتسب موقع مطار الواو أهمية استراتيجية لوقوعه في منطقة صحراوية مفتوحة، ما يجعله مناسباً لعمليات النقل والإمداد بعيداً عن الرقابة المركزية المباشرة.
أبعاد إقليمية متشابكة
تشير مجمل هذه المؤشرات إلى أن ليبيا باتت تمثل عقدة جيوسياسية معقدة، تتداخل فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، إلى جانب الفاعلين المحليين والجماعات المسلحة. ويبدو أن الجنوب الليبي بشكل خاص أصبح مساحة مفتوحة لإعادة تشكيل النفوذ العسكري، بما ينعكس بشكل مباشر على دول الجوار، وعلى رأسها السودان.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في الإقليم، خاصة في ظل هشاشة الحدود، وغياب آليات رقابة فعالة، وتنامي دور المرتزقة في الصراعات الحديثة.
رصد تحركات لمرتزقة كولومبيين قرب السودان
خاتمة
في ظل هذه التطورات، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة أكثر تعقيداً من إعادة توزيع النفوذ العسكري، حيث لم تعد الجغرافيا عائقاً أمام حركة الفاعلين المسلحين، بل تحولت إلى فضاء مفتوح للتنافس الإقليمي والدولي. وبينما تتسارع التحركات على الأرض، يبقى مستقبل الاستقرار في ليبيا والسودان رهيناً بقدرة الأطراف الفاعلة على احتواء هذا التشابك المتزايد، قبل أن يتحول إلى صراع أوسع نطاقاً يصعب ضبطه.


