وكالات – دارفور الآن
كشفت صحيفة لوموند الفرنسية في تحقيق استقصائي نشرته مؤخرًا عن شبكة إمداد إقليمية معقدة يُعتقد أنها تُدار من قبل جهات إماراتية لدعم مليشيا الدعم السريع في السودان، عبر أربع دول مجاورة. وتُظهر الوثائق والتحليلات أن هذه الشبكة تستخدم مسارات جوية وبرية، إضافة إلى استثمارات لوجستية في دول الجوار، لضمان تدفق الأسلحة والعتاد إلى مناطق النزاع، بما فيها إقليم دارفور.
وأشار التحقيق إلى أن الأراضي السودانية لا تُعد وحدها مسرحًا لهذه العمليات، بل تمتد الممرات اللوجستية لتشمل إثيوبيا، جمهورية أفريقيا الوسطى، ليبيا، وتشاد. وتستخدم هذه الدول كممرات آمنة لنقل المعدات العسكرية، في ظل صعوبات متزايدة في الرصد والمراقبة الدولية، ما يتيح للمليشيا تعزيز قدراتها على الأرض بشكل مستمر.
الطائرات وشركات الواجهة:
رصد التحقيق تحركات طائرات شحن من طراز (A300) مرتبطة بشركات وصفتها الصحيفة بأنها واجهات لشبكات إماراتية، حيث تقوم هذه الطائرات برحلات متكررة بين الفجيرة، أديس أبابا، وبانغي، مع تعمد إطفاء أجهزة الإرسال أثناء الرحلات لتجنب التعقب عبر أنظمة الرصد الدولي. هذه الخطوة تشير إلى التخطيط الدقيق والسرية العالية في عمليات الإمداد، وتعكس جهودًا لتفادي أي رصد دولي أو اعتراض محتمل للشحنات.
الإمارات وراء خطوط الدعم العسكري لمليشيا الدعم السريع في السودان
كما أشار التحقيق إلى أن بعض الشركات المشغلة للطائرات تعمل كواجهات قانونية لمصالح اقتصادية أكبر مرتبطة بالإمارات، تشمل شركات شحن ونقل جوي، ما يجعل تتبع مصادر التمويل والعتاد العسكري صعبًا للغاية على المراقبين الدوليين.
الممرات الإقليمية: إثيوبيا
استُخدمت إثيوبيا كقاعدة لوجستية مهمة، مع إنشاء مناطق تدريب لمسلحين وتسهيلات مرور أسلحة وذخائر عبر أراضيها قبل نقلها إلى السودان، خاصة إلى محاور النزاع في دارفور. ويُعتقد أن شبكة الدعم تسعى لاستغلال التوترات الإقليمية لإخفاء تحركاتها وتقليل أي رقابة دولية محتملة.
جمهورية أفريقيا الوسطى:
في بانغي، استثمرت جهات إماراتية في إنشاء مطار ومحطة طاقة، يُنظر إليها كغطاء لوجستي لإنشاء قاعدة خلفية يمكن من خلالها توجيه الإمدادات العسكرية إلى السودان عبر مدينة بيراو الحدودية. هذه الاستثمارات الاقتصادية توفر غطاءً قانونيًا وعمليًا لنقل الأسلحة، وتعكس التداخل بين المصالح التجارية والعسكرية في المنطقة.
ليبيا
تعتبر ليبيا الممر الأبرز للشبكة، حيث سُجل خلال عام 2025 نحو 600 رحلة جوية من الإمارات إلى قاعدة الكفرة، الخاضعة لسيطرة قوات خليفة حفتر. ويُعتقد أن هذه الرحلات استُخدمت لنقل عتاد عسكري إلى السودان، ما يجعل ليبيا نقطة محورية في شبكة الدعم الإقليمية لمليشيا الدعم السريع.
تشاد
تشاد، على الرغم من إغلاق الحدود رسميًا في فبراير 2026، بقيت تمثل ممرًا لوجستيًا حساسًا. وأشار التحقيق إلى وجود محاولات مستمرة لاستخدام مطارات وممرات قريبة من الحدود لإدخال شحنات عسكرية إلى السودان، مع اللجوء إلى أساليب تخفي دقيقة لضمان مرور الإمدادات دون كشفها.
دوافع الشبكة وتأثيرها على النزاع
بحسب المصادر التي اعتمد عليها التحقيق، تهدف هذه الشبكة إلى تعزيز قدرات مليشيا الدعم السريع في النزاع المستمر بالسودان، وخاصة في محاور مثل دارفور التي تشهد تزايدًا في الصراع المسلح. ويؤكد التحقيق أن هذه الإمدادات ساهمت في تعزيز السيطرة الميدانية للمليشيا، ما أدى إلى تفاقم التوترات القبلية والاشتباكات المسلحة في مناطق النزاع.
وأضاف التحقيق أن شبكة الدعم الإقليمية هذه تمثل نموذجًا جديدًا للتدخل غير المباشر في النزاعات، حيث يتم استخدام ممرات دولية واستثمارات اقتصادية لتوفير تغطية لوجستية واسعة، مع مستوى عالي من التخفي والتحايل على الرصد الدولي.
تداعيات إقليمية ودولية
تزامنت عمليات الدعم هذه مع تصاعد التوترات الدبلوماسية بين دول الجوار. فقد أغلقت تشاد حدودها مع السودان بسبب المخاوف الأمنية، بينما كثفت مصر مراقبتها للحدود مع ليبيا لمنع انتقال الأسلحة. وتشير التحليلات إلى أن هذه الشبكة قد تزيد من تعقيد جهود السلام والاستقرار في المنطقة، إذ تُمكّن المليشيات المسلحة من إعادة تنظيم صفوفها وتوسيع رقعة عملياتها دون مواجهة قيود مباشرة من المجتمع الدولي.
خاتمة
يكشف التحقيق عن شبكة دعم إقليمي معقدة لمليشيا الدعم السريع، تستخدم مسارات متعددة وواجهات تجارية لإخفاء تحركاتها، ما يعكس مستوى تنظيم عالٍ وقدرة على التحرك ضمن بيئة أمنية وإقليمية صعبة. ويؤكد الخبراء أن استمرار هذه الشبكة قد يُفاقم النزاعات في السودان ويعقد أي جهود للسلام، مع تأثيرات مباشرة على المدنيين في دارفور والمناطق المجاورة.


